السبت، 7 مارس 2026
بيروت
15°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

من هو الذي في عين العاصفة المالكي ام العراق؟

يعيش العراق واحدة من أكثر لحظاته السياسية تعقيدا، منذ العام 2003. حيث تتقاطع ملفات
تشكيل الحكومة والصراع الإقليمي وتصاعد النفوذ المسلح ،مع إعادة تموضع أميركي واضح في المنطقة .وفي قلب هذه اللحظة يقف إسم نوري المالكي المرشح الأبرز لرئاسة الحكومة المقبلة ،بوصفه نقطة التقاء للتجاذبات الداخلية، وأختباراً حقيقيا لمعادلة النفوذ بين طهران وواشنطن داخل العراق ،و في الوقت ذاته الذي يعلن فيه ائتلاف دولة القانون قدرته على ضبط الفصائل العراقية ..ترتفع وتيرة الخطاب العسكري لتلك الفصائل نفسها، معلنة أستعدادها لعمليات انغماسية دفاعا عن إيران ،في مشهد يعكس حجم التناقض بين الخطاب السياسي والواقع الميداني ،ويضع مستقبل الحكومة المقبلة على محك بالغ الخطورة.

المالكي و العودة المثقلة _

إعلان الإطار التنسيقي ترشيح نوري المالكي لرئاسة الحكومة ،شكل صدمة سياسية داخلية ،و ليس فقط بسبب إعتراض القوى الشيعية الفاعلة ،بل أيضا بسبب الحساسيات الإقليمية والدولية المرتبطة بأسمه ،حيث أن المالكي الذي حكم العراق في واحدة من أكثر الفترات أضطرابا، و ما زال ينظر إليه من قبل القوى الداخلية والخارجية بأعتباره شخصية خلافية ،أرتبط أسمه بتصاعد الدور الإيراني وتراجع التوازن السياسي، وإنفجار الأحتقان الطائفي الذي مهد لاحقا لظهور تنظيم داعش الإرعابي .

وعلى الرغم من أن الإطار التنسيقي حاول تسويق ترشيحه بأعتباره الخيار الأكثر قدرة على ضبط الفصائل، إلا أن الواقع يشير إلى عكس ذلك، إذ تزامن الإعلان مع تصعيد غير مسبوق من الفصائل المسلحة ،بما يوحي إما بفشل مبكر في فرض الأنضباط، أو بمحاولة إستخدام هذا التصعيد كورقة ضغط سياسية

مناورة السوداني _ تكتيك أم فخ سياسي؟_

في قلب هذا المشهد السياسي المعقد المربك ،رئيس الحكومة المنتهية ولايته والفائز الأكبر في الإنتخابات الأخيرةمحمد شياع السوداني لم يعلن أنسحابه رسميا من سباق رئاسة الحكومة ،وهو ما فتح الباب أمام التكهنات الواسعة حول دوره الحقيقي في ترشيح نوري المالكي ،
وفق المصادر السياسية المطلعة، فإن ما يجري قد يكون مناورة سياسية محسوبة هدفها دفع نوري المالكي إلى الواجهة، وتركه يواجه الأعتراضات الأميركية والداخلية تمهيدا لإعادة طرح السوداني لاحقا كخيار توافقي أقل كلفة، و هذا السيناريو يجد دعما في حقيقة أن الأعتراضات على نوري المالكي بدأت تتصاعد سريعا ،من الأطراف الشيعية والسنية فضلا عن الإشارات الأميركية السلبية ،وهو مما يجعل ترشيحه أشبه بأختبار صعب قد لا يصمد طويلا

واشنطن رسائل لا تحتمل التأويل _

الموقف الأميركي من عودة نوري المالكي لا يبدو غامضا ،حتى وإن لم يعلن بصيغة الفيتو الصريح ،حيث أن تصريحات المبعوث الأميركي إلى سورية توم باراك كانت شديدة الوضوح حين قال :إن أي حكومة تشكل بدعم إيراني لن تكون ناجحة، ولن تحظى بشراكة حقيقية مع واشنطن !!
وكما أن الإتصال الهاتفي بين وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ورئيس الوزراء محمد شياع السوداني ،جاء ليؤكد الرسالة نفسها
“حكومة تهيمن عليها إيران لن تستطيع حماية مصالح العراق ولا إبقاءه خارج الصراعات الإقليمية “وهذه المواقف لا يمكن فصلها عن السياق الإقليمي الواسع التي تشهده المنطقة مع تصاعد التوتر بين كل من الولايات المتحدة الأميركية و الجمهورية الإسلامية الإيرانية ومحاولات واشنطن هي إعادة رسم قواعد الأشتباك في العراق وسورية .

الفصائل العراقية التصعيد بوصفه رسالة سياسية _

في ذروة هذا الجدل ،خرجت الفصائل العراقية
وعلى رأسها كتائب حزب الله ومنظمة بدر بخطاب تصعيدي غير مسبوق ،معلنة الإستعداد للقتال إلى جانب إيران، بل والحديث صراحة عن حرب شاملة وعمليات ،و هذا التصعيد لا يمكن قراءته بمعزل عن سياقين.

١-الضغط على واشنطن لإيصال رسالة مفادها: أن أي أستهداف لإيران سيحول العراق إلى ساحة مواجهة مفتوحة.

٢-الضغط الداخلي لإحراج أي حكومة مقبلة، وإظهار أنها عاجزة عن ضبط السلاح خارج الدولة ،و يبدو لافتا أن هذا الخطاب جاء في توقيت بالغ الحساسية، متزامنا مع حديث متصاعد عن ضبط الفصائل وحصر السلاح بيد الدولة، وهو ما يطرح تساؤلات جوهرياً: هل تحاول الفصائل إفشال أي مشروع حكومي لا ينسجم مع أجندتها الإقليمية؟

أستهداف المالكي أم إحراجه؟ _

أنصار نوري المالكي يرون في هذه التطورات ،محاولة منظمة لإفشاله وإحراجه أمام الداخل والخارج ،وعبر ربط إسمه بتصعيد الفصائل وخلق أنطباع دولي بأنه غير قادر على السيطرة عليها .ولكن القراءة الأعمق تشير إلى أن نوري المالكي بحكم تأريخه وتحالفاته ،والفساد الذي انفجر في ظل حكوماته ..يتحمل جزءا كبيرا من هذا الإرث ،وأن عودته تعني تلقائيا عودة الإشكاليات نفسها التي رافقت ولاياته السابقة، سواء تعلق الأمر بالعلاقة مع واشنطن، أو بتوازن الدولة والسلاح.

العراق بين فكي كماشة _

اليوم يقف العراق أمام معادلة شديدة الخطورة،
من جهة ضغوط أميركية واضحة لعدم تسليم السلطة لحكومة محسوبة على إيران.

ومن جهة أخرى الفصائل العراقية ترى في أي تراجع عن دعم طهران خيانة لمحور المقاومة ،وفي المنتصف دولة هشة و إقتصاد مهدد ومجتمع مرهق من الصراعات وحكومة لم تتشكل بعد، و أي إنزلاق نحو المواجهة سيجعل من العراق ساحة بديلة للصراع الإقليمي، خصوصا في ظل مؤشرات على إعادة رسم خرائط النفوذ في سورية والمنطقة ككل.

إلى أين يتجه المشهد؟ _

المشهد العراقي اليوم مفتوح على عدة سيناريوهات أخطرها :أن يتحول الصراع السياسي إلى صدام أمني مباشر، أو أن تفرض حكومة ضعيفة عاجزة عن إتخاذ قرارات سيادية حقيقية .والمالكي إن مضى في طريق الترشيح سيواجه أختبارات قاسيا داخليا وخارجيا والسوداني أن أحسن إدارة اللحظة قد يخرج منها بوصفه الخيار الأقل كلفة،
أما الفصائل العراقية فهي تمارس لعبة خطرة قد تنقلب عليها، في حال تغير ميزان القوى
و في النهاية يبقى السؤال الأكبر هل يستطيع العراق الإفلات من صراع المحاور، أم أنه مقبل على مرحلة جديدة من الأضطراب عنوانها حكومة بلا سيادة وسلاح بلا ضابط؟

الآيام القادمة وحدها ستجيب.

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

ترامب وخطط حرب اسقاط النظام في ايران

مع إغلاق مضيق هرمز، أصبح الصراع في الشرق الأوسط محورياً ليس فقط على المستوى العسكري والسياسي، بل على صعيد السيطرة على الطاقة العالمية. فالممر البحري الذي يمر عبره جزء كبير من نفط...

ليس حِقداً فقط… بل مشروعٌ يُراد فرضه على حساب شُعوبنا

في كثيرٍ من الأحيان يُقال إنّ ما تقوم به “إسرائيل” في المنطقة نابعٌ من حِقدٍ عميق على الشعوب العربية. غير أنّ قراءةً أكثر هدوءاً وواقعية ،تُظهر أنّ المسألة أبعد من...

حرب "إسرائيلية"بجيوش أمريكية على إيران

ليس من شبهة شك فى دوافع الحرب الجارية بآلاف الغارات اليومية ضد إيران ولا فى أهدافها ، فعقب بدء الحرب صباح السبت 28 فبراير 2026 ، كان بيان رئيس وزراء العدو “بنيامين...

معركة المضائق والممرات البحرية… معركة السيطرة على شرايين قلب العالم

ما يجري اليوم في الشرق الأوسط لا يبدو مجرد حرب عابرة أو جولة صراع تقليدية، بل يشبه زلزالاً جيوسياسياً قد يعيد رسم الخرائط وحدود النفوذ في المنطقة. فالحشود العسكرية الأميركية...

بيروت قنبلة موقوتة قابلة للانفجار في أي لحظة

لم تكن بيروت مهيأة لما حدث. ففي غضون ساعات قليلة فقط، فرض الاعتداء الصهيوني على لبنان واقعاً إنسانياً جديداً، مع موجات نزوح كبيرة تدفقت نحو العاصمة بحثاً عن الأمان. مدينة تعاني...

حين يعتقد أي فريق أنّ لبنان ملك له، تبدأ الأزمة. وحين يرفض أن يشاركه الآخرون في الوطن، تبدأ نهاية الدولة .

مخطئٌ من يظنّ أنّ لبنان ملكٌ له أو لطائفته، ومخطئٌ أكثر من يعتقد أنّ هذا الوطن يمكن أن يُفصَّل على قياس جماعة واحدة دون سواها. فلبنان، منذ نشأته، لم يكن يوماً مشروع غلبةٍ لطائفة،...