منذ بداية التصعيد العسكري الكبير ضد إيران، خرج عشرات المحللين والسياسيين عبر الشاشات والمنصات، يتحدثون بثقةٍ مطلقة عن “السقوط الوشيك” للنظام الإيراني، وكأنّ الأمر مسألة أيام أو حتى ساعات. بعضهم رسم خرائطَ لتفكك الدولة، وآخرون تحدثوا عن “ثورة داخلية جاهزة”، بينما بالغ آخرون بالقول إنّ الضربات الدقيقة كفيلة وحدها بإسقاط دولة عمرها عشرات السنين وتفكيك مؤسساتها بالكامل.
لكنّ ما حصل على أرض الواقع كان مختلفاً تماماً.
فإيران، رغم الضربات والخسائر والاغتيالات والاستهدافات، لم تسقط. بل ظهر مشهدٌ معاكس لما راهن عليه كثيرون، إذ بدا أنّ الخطر الخارجي دفع جزءاً كبيراً من الإيرانيين إلى الالتفاف حول الدولة، لا الانقلاب عليها. وهنا تكمن إحدى أكبر الأخطاء التي يقع فيها الغرب وبعض المحللين العرب، الاعتقاد أنّ الشعوب ستصفّق لأي قصفٍ خارجي فقط لأنها تختلف مع حكوماتها.
التاريخ نفسه يكرر الدرس مراراً.
في افغانستان ، قيل إنّ التدخل الأمريكي سيبني دولة ديمقراطية حديثة، فانتهى الأمر بانسحاب مذلّ بعد عشرين عاماً.
وفي العراق ، بُنيت الحرب على وعود “التحرير”، فكانت النتيجة دولة منهكة وفوضى وانقسامات لا تزال مستمرة حتى اليوم.
أما ليبيا ، فتحولت من دولة مركزية إلى ساحة صراعات وميليشيات وتدخلات دولية مفتوحة.
واليوم، يبدو أنّ البعض أراد تكرار السيناريو نفسه مع Iran، تحت شعار “حماية الشعب الإيراني” و”تغيير النظام”، وكأنّ الشعوب تُبنى بالصواريخ، أو أنّ الأوطان تُصلَح عبر تدمير بنيتها التحتية وإغراقها بالفوضى.
المشكلة ليست فقط في القرار الغربي، بل أيضاً في بعض المحللين الذين تحوّلوا إلى أبواق للتوقعات العاطفية لا للقراءة الواقعية. فبدل دراسة تركيبة الدولة الإيرانية وتعقيدات المجتمع والمؤسسات والعقيدة السياسية والعسكرية، جرى تسويق فكرة أنّ “النظام انتهى”، وأنّ الضربة القادمة ستكون الأخيرة.
لكنّ السياسة لا تُقرأ بالأمنيات.
فالدول الكبرى لا تسقط فقط لأنّ خصومها يريدون ذلك، بل عندما تنهار من الداخل بشكل كامل، وعندما تفقد القدرة على الرد والتماسك. وحتى اللحظة، أثبتت إيران أنّها ما زالت تملك أوراق قوة وقدرة على امتصاص الضربات، بل والرد أيضاً، وهو ما أجبر الجميع في النهاية على العودة إلى منطق التهدئة والهدنة بدل أوهام الحسم السريع.
إنّ أخطر ما في بعض التحليلات السياسية اليوم أنّها لا تنقل الحقيقة للناس، بل تنقل ما يريد الجمهور سماعه. وعندما تتحول السياسة إلى تجارة مشاهدات ومزايدات، يصبح التضليل أخطر من الحرب نفسها.
لقد سقط رهان “الانهيار السريع”، كما سقطت قبله رهانات كثيرة في المنطقة. وربما على العالم أن يفهم أخيراً أنّ تغيير الأنظمة بالقوة الخارجية لا يبني استقراراً، بل يفتح أبواب الفوضى لعقود طويلة.
وفي الشرق الأوسط تحديداً، كلّ حرب تبدأ تحت عنوان “التحرير” تنتهي غالباً بخرابٍ أكبر، وشعوبٍ أكثر تعباً، وخرائطَ أكثر هشاشة.


