في أوقات الرخاء قد يختلف الناس في السياسة، وتتباين آراؤهم في الشأن العام، وتعلو الأصوات أحيانًا في جدالاتٍ لا تنتهي. لكن حين تهبّ العواصف الكبرى، وحين تضيق الأرض على أهلها بفعل العدوان والتهجير والخوف، يظهر الوجه الحقيقي للمجتمعات، وتنكشف القيم التي تختبئ خلف الضجيج اليومي.
هكذا كان المشهد في لبنان في الأيام الأخيرة، عندما اضطرّ كثير من أبناء القرى والبلدات إلى مغادرة بيوتهم تحت وطأة العدوان، يحملون معهم وجع الذكريات وقلق المصير. ظنّ البعض أن هذه اللحظة قد تكون فرصة لإحياء خطاب الفتنة، وأن الانقسام الطائفي قد يجد طريقه إلى النفوس المتعبة. لكن ما حدث على أرض الواقع كان شيئًا مختلفًا تمامًا، بل نقيضًا لكل تلك التوقعات.
فمن طرابلس والشمال، إلى بيروت وجبل لبنان، وصولًا إلى صيدا والبقاع، ارتفعت صورة أخرى للبنان، صورة إنسانية صادقة لا تصنعها البيانات ولا الخطابات، بل يصنعها الناس البسطاء بقلوبهم قبل أيديهم.
في طرابلس، المدينة التي عرفت عبر تاريخها بأنها مدينة الكرم والنجدة، لم يكن النازحون غرباء. كانت الأبواب تُفتح قبل أن يُطرق عليها، وكانت العائلات تتقاسم ما لديها من طعامٍ ومسكنٍ ووقتٍ واهتمام. لم يسأل أحد عن الهوية الطائفية للوافدين، ولم يكن السؤال المطروح إلا واحدًا: كيف نخفف عنهم ألم النزوح وقسوة الفراق؟
وفي عكار والضنية والمنية، كما في طرابلس، تحوّلت المساجد والبيوت والمدارس والجمعيات الخيرية إلى نقاط دعمٍ وسند، يعمل فيها الناس بصمتٍ وإخلاص. هناك لم تكن المساعدة واجبًا اجتماعيًا فحسب، بل كانت تعبيرًا صادقًا عن أخلاق الإسلام الذي يجمع المسلمين على قيم الرحمة والتكافل.
أما بيروت، العاصمة التي اعتادت أن تختصر لبنان بكل تنوعه، فقد كانت مسرحًا لمشاهد إنسانية مؤثرة. في أحيائها وشوارعها، وفي بيوت أهلها ومحالّهم ومؤسساتهم، كان التضامن حاضرًا بقوة، وكأن المدينة تريد أن تقول إن قلبها يتّسع لكل من ضاقت به السبل.
وفي صيدا، المدينة التي عرفت تاريخيًا بروحها الوطنية والعروبية، تكرّر المشهد نفسه. فقد بادر الأهالي والفعاليات والجمعيات إلى الوقوف إلى جانب النازحين، مؤكدين أن المحن الكبرى لا تترك مجالًا إلا للتكاتف والتعاضد.
وفي البقاع، حيث تختلط الجغرافيا بالمصير المشترك، كان التضامن فعلًا يوميًا يتجسّد في تفاصيل الحياة البسيطة، بيتٌ يُفتح، ويدٌ تُمدّ، وكلمة طيبة تُقال في لحظة تعبٍ أو خوف.
لكن ما يختصر كل هذه الصورة ليس الأرقام ولا التقارير، بل كلمات الناس أنفسهم. فأبو عمر، وهو رجل بسيط من أبناء الشمال، عبّر بعفوية صادقة عن موقفٍ يختصر تاريخًا طويلًا من العيش المشترك، حين قال: «طول عمرنا أهل… عيب هالحكي. شو يعني سنّة وشيعة؟ كلنا إسلام، وكلنا لبنانيّة».
أما أحمد، فقد قال كلامًا بسيطًا لكنه يحمل معان عميقة: «يا عمّي، ما كنّا نعرف شو سنّة وشيعة. كنّا عايشين أهل، وبعدنا أهل، ورح نضل أهل… وإذا ما وسعتهم البيوت بتساعهم القلوب».
وفي بيروت، وعلى كورنيش الرملة البيضاء حيث كان بعض النازحين يتابعون أخبار قراهم بقلقٍ وأمل، وقفت رولا تراقب المشهد بعينٍ دامعة، وقالت بكلماتٍ تختصر كل شيء: «هول أهلي… أنا وبيتي وعائلتي فِدا لوجعهم ولسهرهم».
إنها كلماتٌ قد تبدو عابرة، لكنها في الحقيقة تختزن معان كبيرة. فهي تذكّرنا بأن ما يجمع اللبنانيين في عمقهم الإنساني أكبر بكثير مما قد يفرّقهم في السياسة أو الطائفية.
لقد أثبت الناس مرةً أخرى أن الفتنة التي يحاول البعض إشعالها في الإعلام أو في الخطاب السياسي لا تجد طريقها إلى قلوبهم عندما تتقدّم القيم الإنسانية على الحسابات الضيقة. فحين يطرق الألم باب إنسان، لا يسأل من يمدّ يد العون عن مذهبه أو طائفته، بل يراه أخًا في الإنسانية والوطن. وهذا ما جعل مشهد التضامن بين المسلمين السنّة وإخوانهم الشيعة النازحين مشهدًا مشرّفًا يستحق أن يُروى وأن يُكتب، لا بوصفه حدثًا عابرًا، بل بوصفه تعبيرًا عن حقيقةٍ عميقة في هذا البلد.
فلبنان، رغم كل ما مرّ به من أزمات وصراعات، ما زال يحمل في داخله قدرة عجيبة على النهوض من جراحه. وما زال شعبه قادرًا، في اللحظات الحاسمة، على أن يتذكّر أن مصيره واحد، وأن بقاءه مرهونٌ بوحدته.
إن هذه الصور المضيئة من التضامن ليست مجرد مواقف إنسانية عابرة، بل هي رسالة واضحة تقول إن لبنان الحقيقي هو لبنان الناس، لا لبنان الانقسامات؛ لبنان القلوب المفتوحة، لا الجدران العالية.
وإذا كانت الحروب تكشف أحيانًا قسوة العالم، فإنها تكشف أيضًا جمال الإنسان عندما يختار أن يكون أخًا لأخيه، وسندًا له في ضعفه، ورفيقًا له في محنته.
فلتحفظ هذه المواقف في الذاكرة، ولتُروَ للأجيال القادمة، لأنها تذكّرنا دائمًا بأن هذا الوطن، مهما اشتدت عليه العواصف، يبقى قادرًا على أن يكون بيتًا واحدًا لجميع أبنائه.


