يبدو أن السيد ياسر عباس يمتلك موهبة نادرة لا تتوفر لكثيرين:
القدرة على تشخيص أوضاع المخيمات الفلسطينية من خلف المكاتب المكيفة، ومن دون الحاجة لزيارة مخيم واحد، أو شمّ رائحة مجارير، أو الوقوف في طابور عيادة، أو سماع أنين مريض لا يملك ثمن الدواء.
فبحسب منطقه، لا جوع في المخيمات، ولا بؤس، ولا انهيار خدمات، وكل من يصرخ أو يحتج أو يعتصم لا بد أنه صاحب «أجندة مشبوهة».
يا له من اكتشاف عظيم!
لم نكن نعلم أن الفقر أصبح أجندة، وأن الجوع مؤامرة، وأن المرض تمويل خارجي.
الغريب أن ممثل الرئيس لم يختر يوماً توجيه سهامه نحو المجتمع الدولي المقصّر، ولا نحو الجهات التي تخنق الأونروا مالياً، ولا نحو السياسات التي تترك اللاجئ عالقاً بين وعود فارغة وخيام متعبة.
الهدف الأسهل دائماً هو: اللاجئ نفسه.
اضرب الضعيف… واترك القوي.
ولو أن السيد ياسر عباس تكرّم، ولو مرة واحدة، بزيارة مخيم، لعرف أن الناس لا تعتصم من أجل الرفاهية، ولا تنتفض حباً بالفوضى، بل لأن الكرامة تُسحق بصمت، ولأن الصبر له حدود، حتى عند اللاجئين.
لكن لماذا الزيارة، ما دام التشخيص جاهزاً؟
ولماذا الاستماع للناس، ما دام الاتهام أسرع؟
في النهاية، يبدو أن أخطر ما يواجه اللاجئ الفلسطيني اليوم ليس فقط تقليص الخدمات، بل أيضاً وجود من يتحدث باسمه… وهو لا يسمعه.
َا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾
سورة الصف (2–3)
وهي خاتمة معبّرة، تصيب جوهر التناقض بين الخطاب والواقع، وتضع النقاط على الحروف


