بين صندوقٍ تحاصره الجغرافيا، ومشروعٍ تصنعه الإرادة
في المشهد الفلسطيني، لا تُقاس الأمور بمقاييس الأمم المستقرة. فحين نُطلّ على أي استحقاق انتخابي، فإننا لا نتحدث عن منافسة برامجية بين أحزاب داخل دولة مكتملة السيادة، بل نتحدث عن لحظة سياسية تُجريها سلطةٌ تعيش تحت سقف الاحتلال، وتُحيط بها الانقسامات من كل جانب.
لهذا، فإن أي نقاش حول “الانتخابات” يجب أن يبدأ من سؤالٍ أعمق من سؤال “من صوت؟” و”من قاطع؟”، وهو: أين تضع هذه الخطوة شعبَنا على طريق التحرير والعودة؟ إن التاريخ يعيد اليوم تعريف معنى “الاقتراع”؛ فبين صندوقٍ تحاصره الجغرافيا، ومشروعٍ تصنعه الإرادة، تبرز الحاجة لإزالة الغبار عن البوصلة الوطنية.
الأداة ليست هي الغاية
من الناحية الاستراتيجية، تبقى الانتخابات أداةً من أدوات إدارة المرحلة، وليست غايةً بحد ذاتها. في الدولة الطبيعية، تُنهي الانتخابات الأزمات وتُبدل الحكومات، لكننا لسنا في دولةٍ طبيعية. نحن في كيانٍ سياسيٍّ مبتور الجغرافيا، محكومٍ بـ “ثلاثة أسقف”: سقف الاحتلال الذي يتحكم في المعابر، وسقف أوسلو الذي حوّل السلطة إلى إدارة ذاتية محدودة، وسقف الانقسام الداخلي.
إن الانتخابات ليست عصاً سحرية تُنهي الاحتلال، ولا هي ترفٌ ديمقراطي نلجأ إليه متى شئنا. هي لا ترفع حصاراً عن قريةٍ محاصرة، ولا توقف اعتداءات مستوطنٍ يحميه جيش، ولا تفكّ ارتباطات التنسيق الأمني. لذلك، عندما يفتقد البيت الداخلي لإجماعٍ حول طبيعة المرحلة، فإن الذهاب إلى صناديق الاقتراع لا يُنتج شرعيةً تُحصّن الداخل، بل قد يُحوّل العملية السياسية إلى ساحة استنزاف جديدة. الأداة لا تغني عن الغاية، والصندوق لا يصنع المشروع.
وحدة الإطار قبل وحدة الصندوق
لعل أبرز ما تحتاجه أي عملية ديمقراطية سليمة هو “وحدة الإطار القانوني والمؤسسي”. وهذا تحديداً ما تفتقده الساحة الفلسطينية؛ إذ تتنازع المشهد ثلاث بيئات إدارية وسياسية مختلفة: الضفة الغربية تُدار بترتيبات وقرارات، وقطاع غزة بواقعٍ فعلي منفصل، والقدس تحت وطأة الاحتلال وإجراءاته، ناهيك عن الفلسطينيين في الشتات والمخيمات الذين يُستبعدون من أي تمثيل داخلي.
قانونياً وإدارياً، أي انتخابات تُجرى على أساس “ترتيبات انتقالية” (كأوسلو) وليست دستور دولة ذات سيادة، تطرح إشكاليات عميقة تتعلق بمدى قدرة أي سلطة ناتجة على توحيد القوانين. كما أن غياب الضمانات القضائية المستقلة، وتداخل الصلاحيات، يجعل من الصعب إنتاج شرعية إجرائية متكاملة. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى مقاربة جديدة لا تُحمّل “الصندوق” مسؤولية حل ما عجزت عنه المؤسسات، فالقانون الإداري يشترط وحدة الإطار لإنتاج نتائج ذات معنى.
الانقسام أولاً.. والعودة للمشروع الوطني الجامع
الخطر الحقيقي الذي يهدد الحالة الفلسطينية ليس في تأجيل الاستحقاقات أو الإقدام عليها، بل في استمرار الانقسام الذي يُفرغ كل شيء من مضمونه. إن النظام السياسي في الإسلام وفي المواثيق الوطنية يقوم على “الشورى الحقيقية” و”البيعة الجامعة”، لا على صناديق اقتراع تُدار تحت حراب الاحتلال وتُفرّغ من مضمونها.
تفرض المرحلة علينا أولوية قصوى إعادة إحياء الإطار الوطني الجامع ل (م.ت.ف) كبيتٍ لكل الفلسطينيين. إن الإطار الجامع ليس شعاراً رمزياً، بل هو ضرورة استراتيجية لإعادة صياغة العلاقة بين مكونات الشعب، في الوطن والشتات، على أساس برنامجٍ وطني قابل للتطبيق، يحدد الأدوات، ويوحّد الخطاب، ويحفظ الثوابت. إن العودة لتفعيل المؤسسات الوطنية بمعزل عن المحاصصة الفصائلية، وتوسيع قاعدة التمثيل لتشمل اللاجئ في المخيمات والمشتت في العالم، هو المدخل الطبيعي لأي استحقاق انتخابي صادق.
بين الرأي والرأي الآخر.. احترام العقل الفلسطيني
في هذا السياق، لا يجوز التعامل مع من يطرح تحفظات شرعية أو قانونية على جدوى الانتخابات الحالية بوصفه متقاعساً عن الاستحقاق، كما لا يجوز اتهام من يرى فيها فرصةً لكسر الجمود وإعادة ترتيب البيت الداخلي بأنه مُفرّطٌ أو متجاوزٌ للواقع.
المسألة ليست مسألة إيمانٍ بالديمقراطية من عدمه، بل هي مسألة توقيتٍ وشروطٍ وبيئةٍ سياسية ملائمة. إن ما يطرحه البعض من إشكاليات حول “الجدوى الوطنية” (مراعاةً لسد الذرائع وعدم إعطاء شرعية لواقع مشوّه)، وما يطرحه آخرون حول “ضرورتها” كأداة ضغط، كلاهما يمثل اجتهاداً وطنياً يجب أن يجد مساحةً للنقاش، لا أن يتحول إلى مادة للتخوين. إن العقل الفلسطيني الجمعي أذكى من أن يُختزل في ثنائية “مقاطعة” أو “مشاركة”؛ إنه يبحث عن مشروعٍ وطني يضمن أن أي مسار سياسي يقود فعلاً إلى تعزيز الصمود.
خلاصة.. نحو مقاربة وطنية متكاملة
إن الخروج من نفق الجدلية العقيمة حول “الصندوق” يتطلب وعياً استراتيجياً يُدرك أن الانتخابات ليست سيفاً يحسم المعركة، وليست عدماً لا قيمة له، بل هي “ورقة من أوراق النضال” لا تُجدي إلا إذا وُظفت في إطار مشروع وطني واضح.
ما أحوجنا اليوم، بعيداً عن سجال الإجراءات، إلى إطلاق مبادرة سياسية شاملة، تجمع الكل الوطني على مائدة واحدة، تبدأ من إقرار برنامج وطني مرحلي موحد، وتنتهي بتفعيل المؤسسات التمثيلية على قاعدة الشراكة الكاملة.
أيها الفلسطيني، إن تاريخك لم يُصنع بخطابٍ انفعالي، ولا بصندوقٍ مُقيّد، بل بصمودك ووعيك. سواء شاركتَ لإصلاح الداخل، أو قاطعتَ لرفض واقعٍ مشوّه، فليكن موقفك جزءاً من استراتيجيا تغيير، لا مجرد ردّة فعل. فالشعوب لا تُحررها الصناديق وحدها، بل تُحررها الإرادات الجامعة، والبرامج الواضحة، والدماء التي تروي أرضاً أبت إلا أن تكون حرةً أبية.


