يشهد الإقليم في المرحلة الراهنة واحدة من أكثر المراحل تعقيدًا منذ عقود، إذ تتداخل الاعتبارات العسكرية مع المصالح الاقتصادية، وتتقاطع الحسابات السياسية مع اعتبارات الردع والاستراتيجية، في مشهد يعكس انتقال المنطقة من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة إدارة احتمالات المواجهة.
إن أي قراءة موضوعية للتطورات الجارية تقتضي الابتعاد عن الانفعال السياسي، والاعتماد على منهج التحليل الاستراتيجي القائم على دراسة موازين القوى، ومصالح الأطراف، وسلوكها المتوقع في ضوء التجارب التاريخية.
أولاً: أهمية مضيق هرمز
يمثل مضيق هرمز أحد أهم الممرات البحرية في العالم، حيث تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز العالمية، الأمر الذي يجعل أمنه قضية تتجاوز حدود دول الخليج لتصبح قضية أمن اقتصادي عالمي.
ولهذا فإن أي توتر في المضيق لا ينعكس على دول المنطقة فحسب، بل يمتد تأثيره إلى أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد والأسواق المالية الدولية.
من هذا المنطلق، فإن أي تصعيد عسكري في المضيق ستكون له انعكاسات استراتيجية واقتصادية عالمية.
ثانياً: دوافع التصعيد
تظهر الأدبيات الاستراتيجية أن الحروب لا تبدأ عادة بسبب حادث منفرد، وإنما نتيجة تراكم عوامل متعددة، منها:
-فشل الردع الاميركي
-انهيار قنوات التفاهم السياسي بين اميركا وايران
-رغبة الأميركيين في تعديل ميزان القوى العسكري والتفاوضي.
– الحسابات الداخلية للدول في اميركا وايران
– ضغوط التحالفات الدولية( وخاصة بعد ظهور غزل تعاون أوروبي – أميركي، فيما خص موضوع مضيق هرمز
وفي ضوء ذلك، فإن أي حادث بحري أو عسكري يجب أن يُقرأ ضمن السياق الأشمل، وليس باعتباره سببًا مستقلًا للحرب.
ثالثاً: دور الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي
تبقى الولايات المتحدة الفاعل العسكري الأكثر حضورًا في منطقة الخليج، بينما يرتبط انخراط حلف شمال الأطلسي بمستوى التهديد للمصالح الغربية، ولا سيما أمن الملاحة والطاقة، وايضا ممكن ان يكون الانخراط لقاء تبادل خدمات حربية بين أوروبا وأميركا فيكون مقابل المساعدة في هرمز ، المساعدة في اوكرانيا.
غير أن مشاركة دول الحلف في أي عمل عسكري واسع تخضع لاعتبارات سياسية وقانونية معقدة، تختلف من دولة إلى أخرى، ولا يمكن افتراض وجود موقف موحد إلا بعد صدور قرارات رسمية.
رابعاً: القدرات الإيرانية
لا شك أن إيران طورت خلال العقود الماضية منظومة واسعة من القدرات العسكرية، خصوصًا في مجالات:
-الصواريخ الباليستية.
-الصواريخ بعيدة المدى.
-الطائرات المسيّرة.
-الدفاع الجوي المسير
-الحرب الإلكترونية.
-القوات البحرية غير التقليدية.
كما أن الجغرافيا الإيرانية، بطبيعتها الجبلية واتساع مساحتها، تمنحها ميزات دفاعية معروفة في الدراسات العسكرية، وتجعل أي عمليات برية واسعة النطاق شديدة التعقيد والكلفة.
لكن تقييم حجم الترسانة العسكرية الإيرانية أو أعداد الصواريخ والمسيّرات يحتاج إلى التعامل معه بواقعية مطلقة حيث استطاعت إيران في ٣ حروب سابقة شُنت عليها، أن تستمر في أعمالها العسكرية الصاروخية على أنواعها والمسيرات بأنواعها ، دون أي تردد تقني او مخزوني..
خامساً: نقاط القوة لدى التحالف الغربي
في المقابل، تمتلك الولايات المتحدة وحلفاؤها تفوقًا واضحًا في:
القوة الجوية.
القدرات الفضائية.
الاستطلاع والاستخبارات.
القيادة والسيطرة.
القوة البحرية.٠
الحرب السيبرانية.
إلا أن التاريخ العسكري يبين أن التفوق التكنولوجي وحده لا يضمن تحقيق الأهداف السياسية، كما حدث في عدد من الصراعات الحديثة.
سادساً: سيناريوهات المرحلة المقبلة
يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية:
السيناريو الأول: استمرار الردع المتبادل مع بقاء الاشتباكات المحدودة دون الانزلاق إلى حرب شاملة.
السيناريو الثاني:
تصعيد إقليمي محدود يشمل استهداف منشآت أو سفن أو قواعد عسكرية، يعقبه احتواء سياسيي يرتكز على تعديل ما على وثيقة التفاهم ..
السيناريو الثالث: اندلاع مواجهة واسعة تشمل الخليج ومضيق هرمز وعددًا من الدول، وهو السيناريو الأعلى كلفة على جميع الأطراف، والأقل رغبة لدى المجتمع الدولي.
سابعاً: دروس استراتيجية
هناك جملة من الحقائق التي أثبتها التاريخ العسكري، منها :
-أن الجغرافيا ما زالت عنصرًا حاسمًا في الحروب.
-وأن الإرادة السياسية قد تعادل أحيانًا التفوق العسكري.
-وأن الاقتصاد أصبح جزءًا من ميدان المعركة.
-وأن السيطرة على البحر لا تعني بالضرورة السيطرة على البر.
-وأن الحروب الحديثة أصبحت هجينة، تجمع بين:
– القوة العسكرية
– الحرب السيبرانية،
– والإعلام،
– والعقوبات الاقتصادية.
–
الخاتمة
إن أخطر ما يواجه صانع القرار اليوم ليس ضعف المعلومات، وإنما كثرتها وتضاربها.
ولذلك فإن المسؤولية الأكاديمية والعسكرية تفرض علينا التمييز بين الوقائع المؤكدة، والتقديرات الاستخباراتية، والتحليلات السياسية، والفرضيات المستقبلية.
إن المنطقة تقف بالفعل أمام مرحلة حساسة، لكن من المبكر الجزم بأن الحرب الشاملة أصبحت حتمية، كما أنه من غير المنهجي استبعادها تمامًا.
ويبقى العامل الحاسم هو قدرة الأطراف على الموازنة بين منطق القوة ومنطق الكلفة، وبين الرغبة في الردع والخشية من الانزلاق إلى صراع لا يمكن السيطرة على نتائجه.
وفي الدراسات الاستراتيجية، تبقى القاعدة الأهم هي أن الحروب تبدأ غالبًا بحسابات دقيقة، لكنها نادرًا ما تنتهي وفق ما خطط له أصحابها.


