السبت، 7 مارس 2026
بيروت
15°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

التفقير الممنهج للساحل السوري: بين شهادة أسعد مصطفى وعقلية الحكم عند حافظ الأسد

لم يكن الساحل السوري في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي مجرد منطقة مطلة على البحر الأبيض المتوسط، بل كان مختبراً لسياسات حكم جديد تشكّل مع وصول حافظ الأسد إلى السلطة عام 1970. ومنذ اللحظة الأولى بدا واضحاً أن مشروع الرجل ليس بناء دولة حديثة تستند إلى التنمية والعدالة، بل ترسيخ سلطة فردية مغلقة محكومة بعقلية أمنية ترى في التنمية خطراً يهددها، وفي وعي المواطن تهديداً مباشراً لكرسي الحكم. في هذا السياق تكتسب شهادة الوزير المنشق أسعد مصطفى أهميتها، فهو الذي شغل منصب محافظ اللاذقية في مطلع الثمانينيات قبل أن يصبح وزيراً للزراعة لسنوات طويلة، ثم يعلن انشقاقه عام 2013 وينضم إلى صفوف المعارضة، ليتولى في تشرين الثاني/نوفمبر من ذلك العام وزارة الدفاع في أول حكومة مؤقتة للائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية. مسيرة كهذه، تبدأ من قلب السلطة وتنتهي في مواجهة بنيتها، تجعل كلماته وثيقة سياسية وتاريخية وليست مجرد رواية شخصية.

يروي أسعد مصطفى أنه عندما زار قرى اللاذقية الجبلية بصفته محافظاً، صدمه مشهد الفقر المدقع الذي يعيشه الناس: طرق غير معبّدة، مدارس مهترئة، مستوصفات بدائية بالكاد تؤدي وظيفة الإسعاف، وزراعة تقليدية بالكاد تسد رمق الأهالي. لم يكن ذلك مشهداً عابراً، بل صورة حقيقية عن واقع الحرمان الذي عاشته عشرات القرى. أمام هذا المشهد أعدّ مصطفى خططاً متكاملة للتنمية، من تعبيد الطرق وربط القرى بالمراكز الحضرية، إلى تحسين الخدمات الأساسية ودعم الزراعة بما يحوّل المنطقة إلى فضاء منتج يساهم في الاقتصاد الوطني. لكن المفاجأة كانت في ردّ حافظ الأسد، إذ لم يرَ في هذه الخطط سوى تهديد مباشر لسلطته. كان جوابه صريحاً: التنمية ستؤدي إلى وعي الناس، والوعي يولّد مطالب سياسية، وهذا أمر غير مقبول. بكلمات أخرى، التنمية في منطق الأسد خطر، والفقر وسيلة للسيطرة.

من هنا يتضح أن ما عاشه الساحل لم يكن نتيجة إهمال عارض، بل كان سياسة مقصودة: التفقير يصنع التبعية، والحرمان يضمن الولاء. وهكذا تحولت القرى إلى خزّان بشري يُستدعى للتجنيد في الجيش والأجهزة الأمنية، فيما ظلّت البنية الاقتصادية والتعليمية والخدمية في حالة جمود. كان مستقبل الشاب الفقير في جبل الساحل محصوراً بين الهجرة الداخلية الشاقة أو حمل السلاح دفاعًا عن سلطة الفرد. ولم يكن الساحل وحده مسرحاً لهذه السياسة، بل امتدت إلى معظم الأرياف السورية: في ريف حماة الذي عرف احتجاجات وتمردات، في درعا التي ظلت على هامش التنمية حتى انفجرت ثورة اذار /مارس2011، وفي حمص التي تحولت أريافها إلى مخزن بشري للتجنيد دون أن تحظى بحقها من الخدمات. لكن خصوصية الساحل تكمن في أنه كان يُصوَّر على أنه الحاضنة الطائفية للنظام، ومع ذلك لم يشفع الولاء لأهله ولم ينقذهم من التهميش والاستنزاف.

لقد كان حافظ الأسد حريصاً على ترسيخ معادلة خبيثة: مصير جماعة كاملة مربوط بمصيره هو. أراد أن يزرع في وعي الناس، وخاصة أبناء الساحل، أن سقوطه يعني سقوطهم، وأن أي محاولة لانتزاع الحكم منه ستُترجم إلى تهديد وجودي لهم. ولهذا أبقاهم في دائرة الفقر، حتى لا يكون أمامهم سوى خيار واحد: الالتحاق بالنظام والارتهان له. وعندما ورث بشار الأسد الحكم عام 2000، لم يغيّر هذه السياسة بل عمّقها. فقد صوّر أي محاولة لإسقاطه على أنها تهديد وجودي للجماعة كلها، وربط مستقبلها بمستقبله. وهكذا تحولت الطائفة بأكملها في خطاب النظام إلى درع بشري لكرسي الحكم، ووسيلة للابتزاز السياسي أمام الداخل والخارج.

لكن شهادة أسعد مصطفى تفضح هذا كله. فهو من داخل التجربة يقول إن خطط التنمية رُفضت لأنها تهدد وعي الناس، وإن الحرمان لم يكن عرضًا بل قراراً. وهو الذي انتقل لاحقاً ليكون وزيراً في حكومة الثورة، يقدم الدليل العملي على أن من عاش في قلب النظام أدرك في النهاية أن مشروعه لم يكن بناء دولة بل تكريس سلطة فردية. وهنا تكتسب شهادته قيمة إضافية: إنها تبرّئ الناس وتدين السلطة. المواطنون لم يختاروا الفقر، بل فُرض عليهم، ولم يقرّروا الارتباط بالنظام، بل زُجّوا فيه.

لقد أدت هذه السياسة إلى نتائج بعيدة المدى. نشأت أجيال في الساحل محاصرة بين البطالة والتجنيد، وبين الهجرة القاسية والبقاء رهائن للسلطة. لم يكن هناك تعليم متطور ولا فرص عمل حقيقية ولا استثمارات تفتح أفقاً للحياة. صار الولاء هو العملة الوحيدة القادرة على شراء مستقبل، حتى باتت أبسط الحقوق مربوطة بالواسطة الأمنية والانتماء السياسي. ومع مرور الزمن اكتشف الناس الحقيقة: أن النظام لم يكن حاميهم كما ادّعى، بل كان مستنزفاً لهم. وحين انفجرت الثورة عام 2011، بدا المشهد أكثر وضوحاً: التضحيات لم تتحول إلى تنمية، ولا الدماء إلى كرامة، بل إلى مزيد من التبعية لكرسي الحكم.

غير أن أخطر ما فعله حافظ الأسد ووريثه كان ربط مصير الطائفة العلوية بوجودهما. لقد أرادا أن يقولا للداخل والخارج: أي محاولة لإسقاط النظام تعني الإبادة لجماعة كاملة. وبذلك وضعوا هذه الطائفة في موقع لم تختره هي، وحمّلوها وزر جرائم فرد وعائلة، فيما هي نفسها كانت ضحية للتهميش والتفقير مثل غيرها من أبناء الوطن. هذا الربط لم يكن حقيقة، بل وهماً صنعه النظام ليستمدّ شرعية زائفة ويقدّم نفسه كحامٍ وحيد.

اليوم، وبعد أن انكشفت الحقائق وسقطت الأقنعة، جاءت الإدارة الوطنية الجديدة بقيادة الرئيس احمد الشرع لتفكك هذه المعادلة. فقد عملت منذ اللحظة الأولى على طمأنة السوريين جميعاً، وفي مقدمهم أبناء الساحل، أن لا أحد سيُحاسب جماعياً على أخطاء الماضي، وأن المسؤولية فردية تطال من مارس القتل والقمع والنهب، لا الطائفة بأكملها. كانت رسالتها واضحة: هذه حكومة لكل السوريين، وليست حكومة لون واحد. وبهذا استطاعت أن تحيّد الطائفة العلوية من ورطة ربط مصيرها بمصير عائلة حاكمة، وأن تعيدها إلى موقعها الطبيعي بين أبناء الوطن جميعًا.

هذا التحول يحمل قيمة استراتيجية عميقة. ففصل المجتمع عن النظام يعني إسقاط آخر أوراق الابتزاز التي طالما لوّح بها الأسد الأب والابن. ويعني أيضًا أن سوريا المستقبل يمكن أن تُبنى على قاعدة المواطنة لا على وهم الحماية الطائفية. فالناس ليسوا دروعًا لكرسي، بل مواطنون لهم حقوق وواجبات، ويستحقون دولة تحترمهم وتخدمهم.

إن قراءة ما جرى في الساحل ليست مجرد استدعاء للماضي، بل محاولة لرسم المستقبل. فقد أثبتت التجربة أن الفقر لا يصنع استقراراً، بل يغذّي الغضب الكامن. وأن التنمية ليست ترفًا بل ضرورة وطنية. وأن ربط جماعة كاملة بمصير نظام استبدادي لا يحميها، بل يورّطها ويدفعها إلى مواجهة مع باقي أبناء الوطن. وحين جاءت الإدارة الوطنية الجديدة لتفكك هذا الربط وتعيد الاعتبار لفكرة الدولة الوطنية الجامعة، فإنها وضعت الأساس الحقيقي لبناء وطن عادل لا يُقصي أحداً ولا يحمّل جماعة بأكملها وزر حاكم ظالم.

الخلاصة أن شهادة أسعد مصطفى تكشف بوضوح أن عقلية حافظ الأسد لم تكن معنية ببناء سوريا، بل بحماية كرسيه. وأن بشار الأسد سار على الطريق ذاته، فعمّق الاستنزاف وربط مصير الطائفة بوجوده. لكنّ التاريخ لا يرحم، وما فعلاه لم يورّث إلا مزيداً من الانقسام والحرمان. أما اليوم، فإن القيادة الوطنية الجديدة بقيادة احمد الشرع تعيد تصويب البوصلة: سوريا ليست ملكاً لفرد ولا لطائفة، بل وطن لجميع أبنائها. وإذا كان الماضي قد حُكم بالفقر والحرمان، فإن المستقبل لن يُبنى إلا بالعدالة والتنمية والمواطنة. هذا هو الدرس الذي يجب أن يبقى حاضراً في ذاكرة الأجيال، لئلا يتكرر ما كان، ولتكون سوريا وطناً حراً كريماً لكل أبنائها دون استثناء.

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

ترامب وخطط حرب اسقاط النظام في ايران

مع إغلاق مضيق هرمز، أصبح الصراع في الشرق الأوسط محورياً ليس فقط على المستوى العسكري والسياسي، بل على صعيد السيطرة على الطاقة العالمية. فالممر البحري الذي يمر عبره جزء كبير من نفط...

ليس حِقداً فقط… بل مشروعٌ يُراد فرضه على حساب شُعوبنا

في كثيرٍ من الأحيان يُقال إنّ ما تقوم به “إسرائيل” في المنطقة نابعٌ من حِقدٍ عميق على الشعوب العربية. غير أنّ قراءةً أكثر هدوءاً وواقعية ،تُظهر أنّ المسألة أبعد من...

حرب "إسرائيلية"بجيوش أمريكية على إيران

ليس من شبهة شك فى دوافع الحرب الجارية بآلاف الغارات اليومية ضد إيران ولا فى أهدافها ، فعقب بدء الحرب صباح السبت 28 فبراير 2026 ، كان بيان رئيس وزراء العدو “بنيامين...

معركة المضائق والممرات البحرية… معركة السيطرة على شرايين قلب العالم

ما يجري اليوم في الشرق الأوسط لا يبدو مجرد حرب عابرة أو جولة صراع تقليدية، بل يشبه زلزالاً جيوسياسياً قد يعيد رسم الخرائط وحدود النفوذ في المنطقة. فالحشود العسكرية الأميركية...

بيروت قنبلة موقوتة قابلة للانفجار في أي لحظة

لم تكن بيروت مهيأة لما حدث. ففي غضون ساعات قليلة فقط، فرض الاعتداء الصهيوني على لبنان واقعاً إنسانياً جديداً، مع موجات نزوح كبيرة تدفقت نحو العاصمة بحثاً عن الأمان. مدينة تعاني...

حين يعتقد أي فريق أنّ لبنان ملك له، تبدأ الأزمة. وحين يرفض أن يشاركه الآخرون في الوطن، تبدأ نهاية الدولة .

مخطئٌ من يظنّ أنّ لبنان ملكٌ له أو لطائفته، ومخطئٌ أكثر من يعتقد أنّ هذا الوطن يمكن أن يُفصَّل على قياس جماعة واحدة دون سواها. فلبنان، منذ نشأته، لم يكن يوماً مشروع غلبةٍ لطائفة،...