لم يعد السؤال في جنوب لبنان اليوم: متى تنسحب إسرائيل؟ بل أصبح السؤال الأخطر: كيف سيكون الجنوب إذا تأخر الانسحاب، وماذا يبقى من القرى والناس والاقتصاد والهوية إذا تحولت المنطقة الأمنية المؤقتة إلى واقع دائم؟
ما يجري على الحدود الجنوبية لم يعد مجرد مواجهة عسكرية، بل بدأ يرسم واقعاً ميدانياً جديداً من خلال الهدم، والطرق والمواقع العسكرية، وتقييد عودة السكان. والخطر الحقيقي لا يكمن فقط في السيطرة على الأرض، بل في تغيير وظيفتها، بحيث تتحول القرى والأراضي الزراعية والطرق من مساحات للحياة إلى مناطق أمنية وعسكرية.
وتبقى القرى المسيحية الحدودية الحلقة الأكثر حساسية، لأنها ليست مجرد تجمعات سكانية، بل جزء من الذاكرة اللبنانية للجنوب ومن تنوعه التاريخي والاجتماعي. من رميش وعين إبل ودبل والقوزح ودير ميماس والقليعة وغيرها، هناك حضور لبناني متجذر لا يجوز تحويله إلى ذريعة لتغيير هوية الجنوب أو إلى ورقة في أي مشروع خارجي.
فالقرية التي تبقى بلا سكان تصبح أرضاً، أما القرية التي يعود إليها أهلها فتبقى مجتمعاً حياً. وكلما طال النزوح، وكلما هدمت المنازل وتعطلت الزراعة والاقتصاد، أصبح احتمال تحول النزوح المؤقت إلى هجرة دائمة أكبر.
وهنا تقع مسؤولية لبنان. فإعادة الجنوب لا تعني إعادة بناء الحجر فقط، بل إعادة بناء الحياة نفسها: المدارس، والطرقات، والكهرباء، والمياه، والزراعة، وفرص العمل، وضمان عودة الشباب إلى قراهم. كما أن انتشار الجيش اللبناني وتعزيز حضور الدولة يجب أن يكونا جزءاً أساسياً من أي حل، لأن السيادة لا تستعاد بالشعارات، بل بقدرة الدولة على حماية أرضها ومواطنيها.
أمام الجنوب اليوم ثلاثة احتمالات: انسحاب إسرائيلي تدريجي يرافقه انتشار الجيش وعودة السكان، أو تحول الوجود الإسرائيلي المؤقت إلى واقع دائم، أو نشوء جنوب مجزأ بين قرى تعود إليها الحياة وأخرى تبقى فارغة أو داخل مناطق أمنية. والسيناريو الأخير قد يكون الأخطر، لأنه يخلق منطقة رمادية لا هي محتلة بالكامل ولا هي محررة بالكامل.
لذلك فإن المعركة المقبلة على الجنوب لن تكون عسكرية أو دبلوماسية فقط، بل ستكون معركة على الإنسان: من يبقى؟ من يعود؟ من يبني؟ ومن يقرر مستقبل الأرض؟
الجنوب ليس منطقة عازلة، والقرى الحدودية ليست مواقع عسكرية. إنها بيوت وكنائس ومساجد ومدارس وحقول وذاكرة وأسماء عائلات. وكل عائلة تعود إلى قريتها هي تأكيد على استمرار لبنان في أرضه، وكل مدرسة تفتح أبوابها هي إعلان عن المستقبل.
أما مسيحيو الجنوب، فلا يحتاجون إلى وطن بديل ولا إلى وصاية خارجية. ما يحتاجونه هو دولة لبنانية حاضرة تحمي حقهم في أرضهم، وتوفر لهم الأمن والاستقرار ومقومات البقاء.
فالانسحاب الإسرائيلي الكامل يبقى المدخل الضروري لاستعادة السيادة، لكن المسؤولية اللبنانية تبدأ في اليوم التالي: أن يكون هناك لبنان قادر على ملء الفراغ بالدولة والجيش والمؤسسات والتنمية، لا فراغ جديد يمهد لحرب جديدة.
وفي النهاية، الحدود الحقيقية ليست خطاً على الخريطة، بل شعب يعيش عليها ويتمسك بها. وهذه هي المعركة الحقيقية على مستقبل الجنوب


