الثلاثاء، 11 أغسطس 2026
بيروت
33°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

رحم الله الـ1500 ليرة… يوم كان للراتب قيمة وللموظف كرامة

رحم الله أيامًا كان فيها الدولار 1500 ليرة، وكان الموظف اللبناني، رغم محدودية راتبه، يستطيع أن يعيش بقدرٍ من الكرامة، ويدفع فاتورته، ويؤمّن حاجاته، ويخطّط ليومه التالي من دون أن يستيقظ كل صباح على رقم جديد لسعر الدولار.
ثم توالت الحكومات، وتراكمت الأخطاء، وتضخّمت الديون، وانفجرت الأزمة المالية والنقدية، فسقطت الليرة، وسقط معها جزء كبير من الطبقة الوسطى، وتحول راتب الموظف من مصدر أمان إلى رقم لا يكفيه لأيام.
ولنكن صريحين، ما نعيشه اليوم لم يعد مجرد أزمة مالية، بل هو فشل متراكم في إدارة الأزمة. فالدول لا تنهار فقط عند لحظة الانفجار، بل عندما تتحول الأزمة إلى واقع دائم، وتفقد السلطة قدرتها على احتوائها أو حتى الحدّ من تمددها.
وهنا تكمن المأساة الحقيقية..حكومة إدارة الأزمة التي فشلت في إدارة الأزمة.
فبدل أن تكون هذه الحكومة محطة لوقف الانهيار، تحولت إلى امتداد له، وبدل أن تضع حدًا للتدهور، اكتفت بإدارته بالحد الأدنى من ردود الفعل، من دون رؤية متكاملة أو قرارات جريئة تعيد ضبط المسار.
أما هذه الحكومة، فقد دخلت إلى المشهد وهي تحمل آمالًا كبيرة. اعتقد كثيرون أنها قد تكون حكومة إدارة الأزمة تمهيدًا للإنقاذ، وأن رئيسها قادر على ضبط الإيقاع المالي، ووقف التدهور، وفتح مسار إصلاحي تدريجي يعيد الحد الأدنى من الثقة.
لكن إدارة الأزمة لا تُقاس بالتصريحات، ولا بالنوايا، بل بالقدرة على اتخاذ قرارات صعبة في الوقت المناسب، وبمنع تفاقم الخسائر بدل الاكتفاء بتوصيفها أو تأجيلها.
ماذا بقي من إدارة الأزمة اليوم؟
الموظف يصرخ من وجع راتبه، والإدارة العامة تتعطل، والخدمات تتراجع، والثقة بالدولة تتآكل، فيما تُدار الأزمة غالبًا بردود فعل متأخرة، لا بخطط استباقية واضحة، ولا بإجراءات متماسكة توقف الانحدار.
إن حكومة إدارة الأزمة التي تفشل في إدارة الأزمة، تتحول عمليًا إلى حكومة إدارة الانهيار، لا أكثر.
لكن الأخطر من ذلك أن ما يُسمّى “خسائر” لم يعد مجرد أرقام في دفاتر الدولة، بل هو أموال منهوبة وحقوق مسروقة من الناس.
فما يُطرح اليوم تحت عنوان “توزيع الخسائر” ليس سوى محاولة لتقنين واقع نشأ عن سياسات مالية خاطئة، وهندسات مشبوهة، وفساد ممنهج، وتهريب للأموال، وتواطؤ بين السلطة والقطاع المصرفي.
وهنا لا بد من قول الحقيقة كما هي…لا توجد خسائر بريئة. هناك أموال سُرقت، وودائع استُبيحت، وثروات نُقلت خارج البلاد، ويجب محاسبة من ارتكب ذلك واسترداد ما يمكن استرداده.
فلا عدالة في أن يُطلب من المواطن أن يتحمّل “الخسارة”، بينما من تسبب بالانهيار أو استفاد منه ينجو من أي محاسبة.
الدولة التي تعجز عن ضبط أزمتها، لا تبقى في دائرة التعثر، بل تنزلق تدريجيًا نحو التفكك، حيث تصبح المعالجات الجزئية مجرد مسكنات لا تغيّر في جوهر الواقع شيئًا.
ولذلك، فإن المطلوب اليوم ليس إدارة أزمة فاشلة، بل:
خطة واضحة، قرارات شجاعة، توزيع عادل للمسؤوليات لا للخسائر، وإرادة حقيقية لوقف الانهيار قبل الحديث عن أي تعافٍ.
لقد سئم اللبناني من الحكومات التي تتعامل مع الأزمة كقدرٍ محتوم، لا كجريمة اقتصادية لها مرتكبوها.
وسئم من طبقة سياسية تكتفي بإدارة التراجع بدل محاسبة من صنعه.
نحن لا نطلب معجزة، بل نطلب الحد الأدنى من الدولة.. دولة تحاسب، لا دولة تُحمّل الضحية وزر الجريمة.
رحم الله أيام الـ1500 ليرة…
لكن الأهم من الحنين إليها هو أن نسأل..
هل ما زالت لدينا دولة قادرة على محاسبة من سرقها؟ أم أننا ما زلنا نُطلب من الضحية أن تدفع ثمن السرقة؟

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

الجنوب اللبناني بعد «المنطقة الأمنية»: هل نحن أمام محاولة لإعادة رسم جغرافيا الحدود؟

لم يعد السؤال في جنوب لبنان اليوم: متى تنسحب إسرائيل؟ بل أصبح السؤال الأخطر: كيف سيكون الجنوب إذا تأخر الانسحاب، وماذا يبقى من القرى والناس والاقتصاد والهوية إذا تحولت المنطقة...

هزيمة "ترامب" فى مفاوضات إيران

لن تكون هذه آخر مرة ، يلعب فيها الرئيس الأمريكى “دونالد ترامب” لعبته البدائية ، والوصول بالتهديد العسكرى إلى الذروة ، وعلى طريقة “سأضرب إيران بقوة لم تحدث منذ...

مصدر فتحاوي :هذه هي فرضيات توقيف أشرف دبور

تعددت الفرضيات حول أسباب توقيف السفير الفلسطيني في بيروت أشرف دبور، وما ومن هي القوة الكامنة التي تجعل السلطات اللبنانية ترضخ لمطالب السلطة الفلسطينية باعتقال دبور، في حادثة غير...

لبنان بين طاولة روما ووجع الجنوب: من يفاوض عن الناس؟

في الوقت الذي تتحدث فيه الأوساط السياسية عن تعثر أو تعليق المفاوضات بين لبنان وإسرائيل، يبقى المشهد على الأرض أكثر استعجالاً من كل البيانات الدبلوماسية. توغلات إسرائيلية، غارات...

الاتفاقية السعودية – التركية – الباكستانية: البحث عن دور ونفوذ في الشرق الأوسط الجديد

الحلف  و التحالف تُصنّف «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» بين السعودية وتركيا وباكستان (الموقعة في 7/8/ 2026) كـ «حلف دفاعي»رسمي من الناحية القانونية والعسكرية، و«تحالف استراتيجي » من...

أي مثقف... أي دور؟

تساؤلات كثيرة تطرح في المجتمع العربي حول المثقف العربي، وهل نعيش سنوات عجافا تفتقد فيها الأمة وجود مثقفين فاعلين ؟ أم نحن أمام طفرة من المثقفين غير الثائرين؟ وأين دور المثقف في...