من جديد، يجد العراق نفسه على مفترق طرق أمني وسياسي خطير، بعد سلسلة من الهجمات التي طالت مواقع عسكرية حساسة باستخدام طائرات مسيّرة أنطلقت وفق التحقيقات، من مناطق خاضعة لنفوذ الفصائل العراقية ذات طابع عقائدي. وبينما أعلنت الحكومة “كشف الجهات المنفذة”، فضّلت الصمت إزاء تسميتها، في مشهد يعيد للأذهان إشكالية “الدولة العاجزة أمام السلاح الموازي”.
حكومة وسط النيران _
و المفارقة أن بعض المتورطين في الهجمات سبق أن تم أعتقالهم من خلال حكومة مصطفى الكاظمي، قبل أن يُفرج عنهم لاحقًا تحت ضغوط سياسية، وهو ما يثير تساؤلات جدّية حول قدرة المؤسسات الأمنية والقضائية على الإستمرار في تنفيذ القانون، إنْ كان الفاعل ينتمي لفصيل أو حزب يملك تأثيرًا ميدانيًا وشبكة سياسية داخل النظام.
و الحكومة الحالية، برئاسة محمد شياع السوداني، تبدو حريصة على ضبط الإيقاع بين تحالفاتها السياسية من جهة، ومراعاة مصالح الدولة من جهة أخرى. لكنها تجد نفسها، في كل مرة، مطوّقة بشبكة من التوازنات الهشّة، تجعل من إتخاذ أي موقف صارم ضد الفصائل المقاومة العراقية مخاطرة سياسية قد تهدد بقاءها.
المسيّرات سلاح الجغرافية _
الهجمات الأخيرة، والتي طالت رادارات ومنشآت عسكرية، وكذلك الحقول النفطية في إقليم كردستان _ شمال العراق كشفت عن ثغرة خطيرة في بنية الدولة الدفاعية. الطائرات المُسيّرة، التي تنطلق من مناطق داخل العراق وتُحمّل برؤوس حربية “مصنّعة خارجيًا”، لا يمكن تفسير أستخدامها إلا في ضوء تنامي قدرات تلك فصائل المقاومة بعيدًا عن سيطرة الحكومة.
وقد جاء أعتراف “كتائب حزب الله” في أمتلاك وتطوير مسيّرات خاصة بها، تحت ذريعة حماية الزائرين، ليؤكد أن هناك تسليحًا موازيًا يتطور خارج رقابة الدولة أو تنسيق صريح أو ضمني من أطراف مؤثرة داخل الهيكلية السياسية.
العلاقة المتأزمة بين بغداد وأربيل _
الهجمات التي طالت حقول النفط في إقليم كردستان في شمال العراق عمّقت فجوة الثقة بين بغداد وأربيل. وبينما تسعى الحكومة الأتحادية لفرض قوتها على الملف النفطي، تستغل بعض الجهات تلك الهجمات كورقة ضغط لتعطيل أي تفاهمات. الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية النفطية للإقليم — والتي أوقفت ما يقرب من 200 ألف برميل يوميًا — ليست مجرد خسائر مادية، بل ضربة إستراتيجية تزعزع أستقرار الأتفاقات الهشة بين الطرفين.
والأخطر أن تأخير إرسال الرواتب للإقليم يُخشى أن يُستثمر سياسيًا في أربيل لتغذية النزعة الأنفصالية وتبرير إعادة طرح خيار “الأستقلال الإقتصادي” بوصفه مخرجًا من أبتزاز المركز.
الدولة أمام خيار صعب _
و في ظل هذا الواقع، تبدو الدولة العراقية كمن يمشي على حبل مشدود بين الولاءات. من جهة، تواجه ضغوطًا داخلية لإثبات هيبتها أمام المجتمع الدولي والرأي العام المحلي، ومن جهة أخرى، تُمسك الفصائل المقاومة العراقية بخيوط تأثير لا يمكن تجاهله، سواء داخل البرلمان أو في الشارع.
و إن الخطر لا يكمن في المسيّرات وحدها، بل في المنظومة السياسية التي باتت أسيرة توازنات القوة خارج الدستور. ما لم يكن هناك قرار وطني جريء في أعادة تعريف العلاقة بين الدولة والفصائل المقاومة و ستظل سيادة العراق منقوصة، وأمنه مرتهنًا لمن يملك الطائرات المسيرة والسلاح و أكثر من من يملك شرعية السلاح والقانون.
حيث تواجه الحكومة العراقية تحديات كبيرة في كشف الجهات المتورطة بالهجمات الأخيرة التي نُفذت بطائرات مسيّرة وأستهدفت منشآت عسكرية ونفطية حيوية في مناطق متفرقة من البلاد، في وقت تمارس فيه أطراف سياسية محلية وإقليمية ضغوطًا لمنع إعلان الأسماء، وسط تصاعد التحذيرات الأميركية من تنامي نفوذ الفصائل العراقية.
وقالت مصادر سياسية مطلعة لـ(الصحيفة)، إن أطرافًا داخلية وقوى إقليمية تمنع الإفصاح عن هوية المتورطين في تلك العمليات، رغم توصل التحقيقات إلى تحديد الجهات المسؤولة عن إطلاق المسيّرات، والتي أنطلقت من مناطق جنوب العاصمة بغداد.
وأضافت المصادر أن قائمة المشتبه بهم تضم قيادات في الفصائل العراقية ، مشيرة إلى أن الحكومة لم تتخذ بعد أي إجراءات قانونية بحقهم، بسبب الضغوط السياسية والإعلامية التي تُمارس خلف الكواليس.
وكانت الهجمات، التي نُفذت في أستخدام أكثر من 30 طائرة مسيّرة خلال أواخر شهر حزيران ومطلع تموز الماضيين، قد طالت رادارات عسكرية حساسة ومواقع نفطية في كردستان العراق وكركوك وصلاح الدين وهو مما أسفر عن تدمير تجهيزات دفاعية متطورة ووقف الإنتاج في بعض الحقول النفطية، وإجلاء شركات أجنبية.
تزامن مريب مع إتفاقيات نفطية _
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني عبّر، في إتصال هاتفي مع وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو، عن أستغرابه من توقيت الهجمات التي جاءت بالتزامن مع توقيع إتفاقيات نفطية جديدة مع شركات أميركية، مؤكدًا أن الأعتداءات تمسّ الأمن القومي والاقتصاد الوطني.
وقال السوداني إن الأجهزة الأمنية تتابع مصادر الهجمات بالتعاون مع التحالف الدولي لمحاربة داعش في حين لم تُعلن بعد نتائج التحقيق النهائي المتعلق في هجمات كردستان العراق
تصريحات أميركية لا للمسيّرات ولا لقانون الحشد الشعبي _
من جهته، شدد الوزير الأميركي مايك روبيو، في منشور له على منصة “إكس”، على ضرورة محاسبة المسؤولين عن الهجمات، قائلاً إن بلاده تدعم عراقًا مزدهرًا خاليًا من النفوذ الإيراني الخبيث.
و كما أبدت وزارة الخارجية الأميركية مخاوف جدية من مشروع قانون الحشد الشعبي الذي يُناقَش حاليًا في البرلمان العراقي، معتبرة أن تمريره سيُكرّس هيمنة الجماعات المسلحة على القرار الأمني ويقوّض السيادة الوطنية.
قانون الحشد الشعبي _
يسعى البرلمان العراقي إلى تمرير قانون يمنح هيئة الحشد الشعبي صفة قوة مستقلة ترتبط مباشرة في القائد العام للقوات المسلحة ويُخوّلها مهامًا واسعة تتعلق بحماية النظام السياسي ومكافحة الإرهاب.
ورغم أن رئيس الوزراء السوداني وصف المشروع بأنه جزء من المسار الإصلاح الأمني، إلا أن القانون يواجه أعتراضات من القوى والأحزاب السياسية السنّية والكردية، وسط مخاوف من تعزيز النزعة العسكرية للفصائل المقاومة العراقية .
كتائب حزب الله المسيّرات لحماية الزوار _
وفي تطور لافت، أقرّت كتائب حزب الله في بيان نهاية شهر تموز الجاري بأنها تعمل على تطوير طائرات مسيّرة، زاعمة أنها مخصصة لحماية الزوار خلال زيارة الأربعين، وذلك في رد على غارة أميركية أستهدفت مواقع للفصيل في منطقة الجرف النصر.
و تشير المعطيات الحالية إلى أن العراق يقف أمام مفترق طرق حساس، حيث تتقاطع المصالح الأمنية والسياسية مع الحسابات الخارجية متشابكة. وبينما تتريث الحكومة العراقية في كشف هوية منفذي الهجمات و فإن الضغوط الدولية، ولا سيما الأميركية، تتصاعد لدفع بغداد نحو مزيد من الشفافية ومحاسبة المتورطين.


