الإثنين، 8 يونيو 2026
بيروت
25°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

«اِزدِواجِيَّةُ الدَّمِ في لُبنان... لِماذا تُدانُ الصَّواريخُ ويُبَرَّرُ القَصْفُ؟»

في لُبنانَ، لَم يَعُدِ الخِلافُ السِّياسيُّ يَدورُ فَقَط حَوْلَ الخِياراتِ أو الاِستِراتيجيّاتِ، بَل أَصبَحَ الخِلافُ يَدورُ حَوْلَ تَعريفِ الحَقيقَةِ نَفْسِها.

فكُلَّما سَقَطَ صاروخٌ باتِّجاهِ إسرائيل، تَرتَفِعُ الأَصواتُ فَوْرًا لِتُعلِنَ أَنَّ حزب الله هُوَ مَن فَتَحَ بابَ الحَربِ، وأَنَّ إِسرائيلَ لا تَفعَلُ سِوى الدِّفاعِ عَن نَفسِها.

تُطلَقُ الاِتِّهاماتُ بِسُرعَةٍ، وتُرفَعُ بَياناتُ الإِدانَةِ، وتَبدَأُ التَّحليلاتُ الَّتي تَضَعُ المَسؤوليَّةَ كامِلَةً عَلَى الحِزبِ، وكأنَّ المَشهَدَ بَدَأَ فَجأَةً مِن لَحظَةِ إِطلاقِ الصَّواريخِ.

لكنَّ السُّؤالَ الَّذي لا يُريدُ كَثيرونَ طَرحَهُ هُوَ، مَتى بَدَأَ المَشهَدُ فِعلًا؟

هَل بَدَأَ عِندَما أُطلِقَتِ الصَّواريخُ؟
أَم عِندَما كانَتِ الطّائِراتُ الإِسرائيليَّةُ تَقصِفُ بِشَكلٍ شِبهِ يَوميٍّ مَواقِعَ لِلحِزبِ داخِلَ لُبنانَ؟
أَم عِندَما سَقَطَ مِئاتُ القَتلَى مِن عَناصِرِهِ نَتيجَةَ تِلكَ الضَّرَباتِ؟

وأينَ كانَتِ الأَصواتُ نَفسُها عِندَما تَحوَّلَ القَصفُ الإِسرائيليُّ في مَراحِلَ عَديدَةٍ إِلى ضَرَباتٍ طالَت مَناطِقَ لُبنانيَّةً مُختَلِفَةً، ودَمَّرَت أَبنيَةً سَكنيَّةً، وأَجبَرَت مِئاتِ الآلافِ مِن اللُّبنانيّينَ عَلَى تَركِ بُيوتِهِم؟

ما يُقارِبُ نِصفَ مِليونِ لُبنانيٍّ اِضطُرّوا لِلنُّزوحِ مِن قُراهُم ومُدُنِهِم بَحثًا عَنِ الأَمانِ.
عائِلاتٌ خَرَجَت تَحتَ القَصفِ.
مَنازِلُ أُغلِقَت عَلَى ذِكرياتِ أَصحابِها.
ومُدُنٌ كامِلَةٌ عاشَت تَحتَ صَوتِ الطّائِراتِ والاِنفِجاراتِ.

ومَعَ ذلِكَ، لَم نَسمَعِ الخِطابَ نَفسَهُ يَخرُجُ لِيَقولَ إِنَّ ما يَجري هُوَ إِرهابُ دَولَةٍ.
لَم نَرَ مَوجَةَ الإِداناتِ ذاتَها.
ولَم نَسمَعِ المَسؤولينَ أَنفُسَهُم يَتَحَدَّثونَ بِالحِدَّةِ نَفسِها الَّتي نَسمَعُها عِندَما يَسقُطُ صاروخٌ باتِّجاهِ إِسرائيلَ.

هُنا لا يَعودُ السُّؤالُ سِياسيًّا فَقَط، بَل يُصبِحُ سُؤالًا أَخلاقيًّا وَوَطنيًّا في آنٍ واحِدٍ.

هَلِ المُشكِلَةُ فِعلًا في الصَّاروخِ؟
أَم في الجِهَةِ الَّتي أَطلَقَتهُ؟

فَإِذا كانَ إِطلاقُ الصَّواريخِ جَريمَةً تَستَحِقُّ الإِدانَةَ، فَإِنَّ قَصْفَ المُدُنِ وَتَهجيرَ السُّكّانِ لا يُمكِنُ أَن يَتَحوَّلَ فَجأَةً إِلى عَمَلٍ مَشروعٍ لِمُجَرَّدِ أَنَّ مَن يَقومُ بِهِ يَمتَلِكُ القُوَّةَ وَالسِّلاحَ وَالقُدرَةَ عَلَى فَرضِ رِوايَتِهِ.

فَالحَقيقَةُ لا تَتَغَيَّرُ بِتَغَيُّرِ مَن يَضغَطُ عَلَى الزِّنادِ،
وَالدَّمُ الإِنسانيُّ لا يَصبِحُ أَقَلَّ قِيمَةً لِأَنَّ الضَّحيَّةَ تَقَعُ في الجِهَةِ الأَضعَفِ.

إِنَّ أَخطَرَ ما في الحُروبِ لَيسَ فَقَط النّارَ الَّتي تَسقُطُ مِنَ السَّماءِ،
بَل الرِّوايَاتُ الَّتي تُحاوِلُ إِقناعَ العالَمِ أَنَّ بَعضَ الدِّماءِ أَقَلُّ أَهَمِّيَّةً مِن غَيرِها.

وفي خِضَمِّ هٰذا المَشهَدِ، يَبرُزُ دَورُ بَعضِ مَن يُقَدَّمونَ عَلَى الشَّاشاتِ بِوَصفِهِم مُحَلِّلينَ سِياسيّينَ، فِيما لا يَكادُ خِطابُهُم يَتَجاوَزُ جُملَةً واحِدَةً تَتَكَرَّرُ في كُلِّ إِطلالَةٍ: الصَّواريخُ.

تَدورُ تَحليلاتُهُم في الحَلقَةِ نَفسِها، وكأنَّ المَشهَدَ بِكُلِّ تَعقيداتِهِ السِّياسيَّةِ والعَسكريَّةِ والإِنسانيَّةِ يُمكِنُ اِختِزالُهُ في سُؤالٍ واحِدٍ: مَن أَطلَقَ الصَّاروخَ؟

لا حَديثَ عَن سِياقِ الأَحداثِ، ولا عَنِ الضَّرَباتِ الَّتي سَبَقَت، ولا عَنِ المُدُنِ الَّتي قُصِفَت، ولا عَن مِئاتِ الآلافِ الَّذينَ نَزَحوا مِن بُيوتِهِم.

كُلُّ ما في جُعبَتِهِم تَحليلٌ يَدورُ حَولَ الصَّاروخِ، وكأنَّ الحَربَ كُلَّها تُختَزَلُ في لَحظَةِ إِطلاقِهِ.

وهُنا تَكمُنُ المُشكِلَةُ الحَقيقيَّةُ.
فالمُحَلِّلُ السِّياسيُّ لا يُفتَرَضُ أَن يُرَدِّدَ رِوايَةً جاهِزَةً، بَل أَن يَقرَأَ الصُّورَةَ كامِلَةً.
أَمّا حِين يَتَحوَّلُ التَّحليلُ إِلى تِكرارٍ ميكانيكيٍّ لِزاوِيَةٍ واحِدَةٍ مِنَ المَشهَدِ، فإِنَّ ذلِكَ لا يَكشِفُ شَيئًا عَنِ الحَربِ بِقَدرِ ما يَكشِفُ فَراغَ الجُعبَةِ السِّياسيَّةِ والفِكريَّةِ لَدَى مَن يُقَدِّمونَ أَنفُسَهُم خُبَراءَ في فَهمِها.

لُبنانُ اليَومَ لا يُواجِهُ حَربًا عَسكريَّةً فَقَط، بَل يُواجِهُ أَيضًا حَربَ الرِّوايَةِ.

فالمُشكِلَةُ في نِهايَةِ المَشهَدِ لَيسَت فَقَط في الصَّواريخِ الَّتي تُطلَقُ، وَلا في القَصفِ الَّذي يَسقُطُ، بَل في الرِّوايَةِ الَّتي تُكتَبُ بَعدَ ذلِكَ.

ففي كَثيرٍ مِنَ الحُروبِ، لا يُعادُ تَشكيلُ الحَقيقَةِ عَلَى أَرضِ المَعرَكَةِ فَقَط، بَل يُعادُ صِياغَتُها أَيضًا عَلَى مَنابِرِ التَّحليلِ وَشاشاتِ الإِعلامِ.

هُناكَ مَن يَختَصِرُ الحَربَ كُلَّها في صاروخٍ واحِدٍ،
وَيَتَجاهَلُ مُدُنًا كامِلَةً تَحتَ القَصفِ.

وهُناكَ مَن يَرفَعُ صَوتَهُ عِندَما يَسقُطُ صاروخٌ،
وَيَلتَزِمُ الصَّمتَ عِندَما تَسقُطُ المَنازِلُ فَوقَ سُكّانِها.

وهُنا تَظهَرُ الحَقيقَةُ المُؤلِمَةُ، لَيسَت كُلُّ الدِّماءِ في عالَمِ السِّياسَةِ تُقاسُ بِالمِعيارِ نَفسِهِ.

وأَخيرًا، مِنَ الضَّروريِّ التَّأكيدُ أَنَّ قِراءَةَ هٰذا المَشهَدِ لا تَعني الدِّفاعَ عَن أَيِّ طَرَفٍ أو تَبرِئَةَ أَيِّ جِهَةٍ مِن مَسؤوليّاتِها. فالنِّقاشُ هُنا لَيسَ دِفاعًا عَن حِزبِ اللهِ ولا هُجومًا عَلَيهِ، بَل مُحاوَلَةٌ لِقِراءَةِ الوَقائِعِ كَما حَدَثَت، بَعيدًا عَنِ الاِنتِقائيَّةِ في الإِدانَةِ أو اِزدِواجيَّةِ المَعاييرِ. لِأَنَّ الحَقيقَةَ لا تُبنَى عَلَى نِصفِ مَشهَدٍ… بَل عَلَى الصُّورَةِ الكامِلَةِ.

«الحُروبُ لا تَكشِفُ فَقَط قُوَّةَ السِّلاحِ… بَل تَكشِفُ أَيضًا شَجاعَةَ مَن يَجرُؤُ عَلَى قَولِ الحَقيقَةِ كامِلَةً.»

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

بين هدنةٍ على الورق وتصعيدٍ في الميدان

في الوقت الذي اعتقد فيه كثيرون أن الاتفاقات الأخيرة ستفتح باب التهدئة بين لبنان وإسرائيل، جاءت التطورات الميدانية لتؤكد أن المنطقة لا تزال بعيدة عن الاستقرار الحقيقي. فالهدنة التي...

بين متطلبات الأمن والسيادة: قراءة استراتيجية نقدية في مخرجات مفاوضات واشنطن بشأن لبنان

مقدمة تُعد البيانات السياسية الناتجة عن المفاوضات الدولية مؤشراً مهماً على توازن القوى بين الأطراف المتفاوضة أكثر مما تعكس بالضرورة توازناً في المصالح أو الحقوق. ومن هذا المنطلق،...

من الشقيف إلى الزهراني… هل يتغير وجه الشرق الأوسط أم أننا أمام فصل جديد من الصراع القديم؟

ما يحدث اليوم في جنوب لبنان لم يعد مجرد جولة عسكرية محدودة أو مواجهة تقليدية على الحدود، بل يبدو جزءاً من مشهد إقليمي أوسع تتداخل فيه الحسابات العسكرية مع مشاريع إعادة رسم موازين...

حصار العواصم

أول فبراير الماضي (2026 ) أقتحم تنظيم داعـش نيامي عاصمة النيجر وسيطر لنصف ساعة على مطار العاصمة، بعد أن تمكن من السيطرة على عدد من القرى والمناطق المحيطة بنيامي، قبل أن تتقدم نحو...

وفي قلعة الشقيف قال الجندي الصهيوني لأرييل لشارون : انت كاذب !!

هذه الواقعة وردت في كتاب صهيوني صدر في فلسطين المحتلةٍ، بعد الاجتياح الصهيوني في لبنان الذي بدأ في مطلع شهر يونيو / حزيران 1982.. وانتهى بخروج قوات منظمة التحرير الفلسطينية،...

"آية الله الفقيه السيد حسين إسماعيل الصدر"

في تأريخ الأمم شخصيات لا تعبر الزمن فحسب، بل تترك فيه أثرا يتجاوز حدود اللحظة ،ليغدو مشروعا فكريا وإنسانيا ممتدا عبر الأجيال ومن بين هذه القامات يبرز إسم آية الله الفقيه السيد...