يقف أحمد الشرع اليوم أمام معادلة جيوسياسية بالغة التعقيد، تحكمها أربعة محاور متداخلة: الداخل السوري، الضغط الإسرائيلي في الجنوب، احتمال الانزلاق نحو مواجهة مع لبنان في الغرب، وموقف تركيا الحاسم في الشمال. هذه المربعات تجعل خياره الاستراتيجي واضحاً: تجنّب فتح أي جبهة جديدة مهما كان الثمن.
أولاً: الأولوية الداخلية وتفكيك الفوضى
بعد سقوط النظام، يواجه الشرع تحدي بناء سلطة مركزية في بيئة مدمرة ومجزأة طائفياً ومناطقياً. مهمته الأساسية هي ضبط الفصائل، إعادة فرض الأمن، وتقديم نموذج حكم بديل يقنع الداخل السوري ويخفف الضغط الدولي. أي انزلاق عسكري خارجي سيستنزف موارده المحدودة ويقوّض مشروع “إدارة سورية” الذي يراهن عليه أمام الغرب والعرب.
ثانياً: الضغط الإسرائيلي في الجنوب – جبهة مفروضة لا يختارها
في السويداء ودرعا والقنيطرة، تتوسع إسرائيل عسكرياً بحجة “المنطقة العازلة” و”منع التموضع الإيراني”. هذا التوسع يضع الشرع في موقف حرج:
عسكرياً: لا يملك القدرة على مواجهة إسرائيل مباشرة دون خسارة ما حققه من استقرار.
شعبياً: الصمت على التوغل الإسرائيلي يكلفه شرعية وطنية، والمواجهة تكلفه وجوده.
لذلك يتبع سياسة “الاحتواء اللفظي” مع تحريك ورقة المفاوضات عبر وسطاء أتراك ودوليين. هدفه كسب الوقت وتثبيت الوضع الداخلي أولاً.
ثالثاً: الجبهة اللبنانية – حرب لا يريدها ولا يحتملها
فتح جبهة مع لبنان يعني الدخول في مواجهة استنزاف ثنائية: إسرائيل من الجنوب، وحزب الله من الغرب. هذا السيناريو سيحوّل سورية الجديدة إلى ساحة حرب إقليمية، وينسف كل محاولاته للتطبيع مع الدول العربية وكسر العزلة. من هنا تأتي رسائله المتكررة بعدم الرغبة بالتصعيد مع لبنان، وتفضيل التنسيق الأمني على المواجهة.
رابعاً: الموقف التركي – الحامي والضابط في آن واحد
تركيا هي الراعي الأكبر للشرع وحكومة الإنقاذ في الشمال. أنقرة لا تريد جبهة جديدة في سورية تفتح الباب أمام فوضى تزيد موجات اللجوء، أو تمنح الأكراد فرصة للتمدد تحت ذريعة “محاربة الإرهاب”. لذلك تضغط تركيا بقوة على الشرع لضبط الحدود مع لبنان، وعدم الانجرار لمواجهة مع إسرائيل، والتركيز على ملف السويداء والجنوب بوسائل سياسية لا عسكرية.
الموقف التركي يمنح الشرع غطاءً سياسياً وعسكرياً، لكنه يفرض عليه سقفاً واضحاً: “لا مغامرات خارجية”. باختصار، تركيا تريد “سورية مستقرة تحت إدارة حليف” لا “سورية محترقة تفتح جبهات”.
الخلاصة: سياسة “إدارة الأزمات” لا “صناعة الأزمات”
الشرع محكوم بمعادلة “لا حرب ولا استسلام”. لا يستطيع ردع إسرائيل في الجنوب، ولا يريد حرباً مع لبنان في الغرب، وفي الوقت نفسه يسعى لتثبيت حكمه داخلياً تحت مظلة تركية.
استراتيجيته هي إدارة الأزمات وتأجيل المواجهات حتى يمتلك هامش مناورة أكبر. وهذا يفسر تمسكه بالخطاب المعتدل، والتنسيق مع أنقرة، ومد الجسور مع الدول العربية.
باختصار، الشرع اليوم ليس صانع قرار إقليمي حر، بل لاعب يحاول النجاة بين مطرقة الضغط الإسرائيلي، وسندان التعقيد الداخلي، وسقف الموقف التركي، مع وعي كامل بأن أي جبهة جديدة قد تعني نهاية مشروعه قبل أن يبدأ.


