“إذا حاولنا إدخال الفقراء والجوعى إلى قاربنا، فسيغرق القارب بالجميع. لذا، فإن العدالة تقتضي تركهم يغرقون لضمان بقاء الجنس البشري وموارده”.
هذه احد نظريات تيارات “المالتوسية الجديدة” في الفكر السياسي والاقتصادي الأميركي، طرحها عالم الأحياء الأميركي “غاريت هاردين” في كتابه “أخلاقيات قارب النجاة”.
فلطالما كان الجوع والفقر وكيفية اطعام سكان الأرض الشغل الشاغل للعالم. أيضا كان محور جدل بين المفكرين والعلماء. ومن أبرز الأفكار التي طرحت في القرن الثامن عشر وشكلت جدلية وما زالت حتى يومنا هذا هي نظرية “توماس مالتوس”، وهي فكرة ديموغرافية واقتصادية وضعها هذا العالم الإنجليزي عام 1798. استحوذ “مالتوس” هاجس كيفية اطعام هذا العدد الكثيف من سكان الأرض دون المساس بإمدادات الغذاء للمجتمع بأسره. والنظرية “المالتوسية” تعتبر ان الكوارث أمراً حتمياً للحد من السكان متجاهلة قدرة الانسان على مواجهتها.
لكن في أعقاب الحرب العالمية الثانية، انكسر الصمت وتم القاء فكر “مالتوس” في مزبلة التاريخ. فأهوال الحربين العالميتين الأولى والثانية، والنازية ومعسكرات الابادة والجوع… كل ذلك أدى الى صحوة للضمير الجماعي الذي ثار ضد هذه الأفكار الكارثية. وبدأ علماء ومفكرون يناهضون بواقعية ومنهجية النظرية “المالتوسية” مثل المفكر والعالم الاجتماعي والسياسي السويسري “جان زيغلر” (Jean Ziegler) والذي شغل منصب المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بالحق في الغذاء بين عامي 2000 و2008 حيث تناول في كتابه الصادر عام 2011 تحت عنوان “التدمير الشامل: جيوسياسية الجوع” قضية المجاعة العالمية بصفتها جريمة سياسية واقتصادية معتمدة وليست مجرد كارثة طبيعية.
ورغم هذه الانتقادات الحادة، ما زالت سياسات الولايات المتحدة الأميركية المتعاقبة مصرّة على اعتماد هذه النظرية في إبادة شعوب الدول النامية.
فنظرية “مالتوس” لم تقتصر فقط على علماء ومفكرين أميركيين مثل عالم البيئة “ويليام فوغت”، عراب المالتوسية البيئية، وهو من الأوائل الذين طالبوا بترك الجوعى لمصيرهم في كتابه “الطريق الى البقاء”، أو مثل عالم الأحياء “بول إيرليش” الذي استهل كتابه “القنبلة السكانية” الصادر عام 1968، بعبارة كارثية: “إن معركة إطعام البشرية قد انتهت بالفعل”. كما دعا في كتابه الإدارة الأميركية الى تطبيق سياسة “التصنيف الطبي للمعارك” حيث صنف بعض دول العالم الثالث بدول يمكن إنقاذها وأخرى حالات ميؤوس منها يجب قطع المساعدات الغذائية عنها وتركها للمجاعة؛ بل تعدت ذلك لتكريسها فيما بعد بمذكرة دراسة الأمن القومي رقم 200 (NSSM-200) التي صيغت عام 1974 تحت إشراف هنري كيسنجر وظلّت سرية حتى عام 1989. تناولت هذه المذكرة النمو السكاني وتداعياته على الأمن القومي بحيث وضعت برامج تحديد النسل في الدول النامية وتحديداً في ثلاث عشرة دولة )من بينها نيجيريا، البرازيل، الهند، اندونيسيا، المكسيك(، ليس لأن الانفجار السكاني يسبب أزمات إنسانية، بل لأن وجود مجتمعات ضخمة وشابة ذات وعي سياسي ونزعة قومية وغنية بالموارد الطبيعية يشكل خطراً كبيرا على الولايات المتحدة للوصول الى تلك الموارد واستثمارها.
وبينما كثير من الدول النامية غارقة في حروب ومجاعات تستنزف طاقاتها البشرية ومواردها الطبيعية فالاستعمار الجديد المتمثل بالرأسمالية الأميركية يتربص بإغراق طواقم السفن حتى يتربع على عرش ثرواتها الطبيعية تحت ما يسمى “الإنسانية”.


