الأربعاء، 9 سبتمبر 2026
بيروت
31°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

بين الضربة واللا ضربة: لبنان والمنطقة في زمن القلق المفتوح

كارولين ياغي

لا يُشترط اندلاع الحروب في الشرق الأوسط كي تترك بصماتها العميقة. يكفي أن تُطرَح كاحتمال، حتى يبدأ القلق بالتسلل إلى الجغرافيا والناس معًا. حتى هذه اللحظة، تتكاثر التقديرات حول ضربة أميركية محتملة لإيران، تُقدَّم في الخطاب السياسي الأميركي على أنها «محدودة وحاسمة»، في إطار سعي دونالد ترامب إلى إعادة ترسيخ معادلة الردع، من دون الغرق في حرب طويلة ومكلفة. غير أن تجارب المنطقة المتراكمة تُظهر أن ما يُوصَف بالضربات المحدودة نادرًا ما يبقى محدودًا في مفاعيله، وأن الحسابات الباردة غالبًا ما تصطدم بواقع إقليمي أكثر تشابكًا وتعقيدًا.
إن أي عمل عسكري ضد إيران، مهما بدا محسوبًا، سيضع المنطقة أمام مرحلة توتر مرتفع. تصعيد غير مباشر في الخليج، تهديدات متزايدة للممرات البحرية الحيوية، وتحريك للساحات المرتبطة بإيران عبر رسائل أمنية مدروسة، لا تصل إلى حدّ الحرب الشاملة، لكنها ترفع مستوى عدم الاستقرار وتُبقي الإقليم في حالة اهتزاز دائم.
لا تكمن الإشكالية في حجم الضربة بقدر ما تكمن في كيفية تفسيرها. فما تعتبره واشنطن رسالة ردع واضحة، قد تراه طهران خرقًا لقواعد الاشتباك، ما يفتح الباب أمام ردود متدرجة يصعب التحكم بإيقاعها أو سقفها.
يتحرّك التهديد الأميركي بالضربة ضمن خليط من الحسابات الاستراتيجية والسياسية. فترامب يسعى إلى تكريس صورة الحزم والقوة، داخليًا وخارجيًا، من دون تحمّل كلفة مواجهة مفتوحة تستنزف الاقتصاد الأميركي وتعيد إلى الذاكرة إرث الحروب الثقيلة في الشرق الأوسط.
لكن الردع، حين لا يُستكمل بمسار سياسي واضح، يتحوّل إلى حالة توتر مزمنة، تُبقي المنطقة معلّقة بين تهديد لا يُنفَّذ بالكامل، وانفجار لا يمكن استبعاده في أي لحظة.
في هذا السياق، لا يحتاج لبنان إلى أن يكون ساحة اشتباك مباشرة كي يتضرر. فكل تصعيد أميركي إيراني يضع جنوبه في دائرة الانتظار القلق، ويضاعف المخاوف الشعبية حتى من دون طلقة واحدة.
لبنان اليوم بلد هشّ، اقتصاديًا ونفسيًا. يكفي ظلّ الحرب ليشلّ ما تبقى من حياة يومية، ويقوّض أي أمل بالتعافي، في وطن يقف أصلًا على حافة الانهيار، ويُدفَع مرة جديدة إلى تسديد فاتورة صراعات تفوق قدرته على الاحتمال.
وحتى في حال عدم وقوع الضربة، لا يعني ذلك انفراجًا حقيقيًا. سيبقى الإقليم عالقًا في حالة «لا حرب ولا سلام»، مع استمرار الضغوط والعقوبات وحروب الظل. إيران ستواصل سياسة المناورة، وواشنطن ستُبقي التهديد قائمًا كأداة ضغط دائمة.
أما لبنان، فسيبقى أسير انتظار قاتل: لا تصعيد شامل، لكن لا استقرار. لا حرب، لكن لا أفق سياسي أو اقتصادي واضح.
هكذا يقف لبنان بين الضربة واللا ضربة، خارج دائرة القرار، وداخل دائرة التأثّر. وفي كلتا الحالتين، يدفع اللبناني ثمن صراعات أكبر منه، ويعيش على إيقاع قلق مزمن، في منطقة لا تُنهي أزماتها، بل تتقن فقط فنّ تأجيل انفجارها.

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

نائب الغلابة.. عمرو رشاد يتكفل بسداد المصروفات الدراسية للطلاب غير القادرين بالجيزة

أعلن المهندس عمرو رشاد، عضو لجنة الإسكان والإدارة المحلية والنقل بمجلس الشيوخ وعضو لجنة القيم، ورئيس قطاع وسط الجيزة بحزب حماة الوطن، إطلاق مبادرة «إحنا أهل»، للتكفل بسداد...

الكتاب الذي منعت أميركا نشره

كاتبه جون بيركنز لم يكن صحفيا، كان موظفا رسميا في شركة اسمها MAIN العملاقة. هذه الشركة واجهة لوكالة الامن القومي NSA. وظيفته في البطاقة: خبير اقتصادي كبير. وظيفته الحقيقية: قاتل...

من علي الطاهر إلى صناديق الاقتراع... الحرب التي تجمع ترامب ونتنياهو وتفرقهما.

تقترب صناديق الاقتراع، وتقترب معها المنطقة من مرحلة تبدو فيها السياسة والميدان وجهين لمعركة واحدة. فالانتخابات الإسرائيلية في 27 تشرين الأول، تليها الانتخابات الأميركية في 3 تشرين...

كفررمان والجنوب... هل هؤلاء بنية تحتية؟

تسعة أسماء. بينهم أطفال ونساء. سقطوا في مجزرة بلدة كفررمان الجنوبية: محمد نعيم فرحات، حسن وحسين ومحمد وفاطمة فرحات، زهراء أيوب، والأطفال مريم وعبدالله وعباس فرحات. هل هؤلاء...

المعتدي والمعتدى عليه أوروبا بين شعارات القيم ومنطق المصالح

المنظومة الدولية التي وُلدت بخطيئة الازدواجية منذ أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، تأسست المنظومة الدولية على أسس نظرية سامية الديمقراطية، وحقوق الإنسان، وسيادة القانون،...

هل كان سيد قطب مفكراً عظيما ام ارعابياً

خاف الأميركيون من ارتماء العرب في أحضان الشيوعية ، وقرروا جذب الشيوخ والكتاب المؤثرين أصحاب الكلمة المسموعة والاتفاق معهم لإكراه المسلمين في الشيوعية وتكفيرهم كونهم ضد الإسلام ،...