يشهد العالم تحوّلًا جذريًا في صناعة الإعلام مع صعود الذكاء الاصطناعي، لكن وقع هذا التحوّل يبدو أكثر حدّة في لبنان، حيث تتقاطع الأزمة الاقتصادية مع تراجع سوق الإعلانات وانكماش الصحافة الورقية. وفي قلب هذا المشهد، تجد الصحافة الأسبوعية نفسها أمام سؤال وجودي: كيف يمكن الاستمرار في عصر تنتج فيه الخوارزميات الأخبار أسرع مما تُطبع الجريدة؟
بالنسبة لي، لم يكن الحديث عن تحوّلات الصحافة مجرّد متابعة من بعيد. فقد عشتُ هذه المرحلة من موقع المسؤولية حين كنتُ مديرة لمجلّة الأفكار اللبنانية الأسبوعية بعد وفاة والدي الصحافي الكبير وليد عوض (رحمه الله) ، وهي من المجلات التي شكّلت لعقود مساحة ثابتة للتحليل السياسي والاجتماعي.
قبل الأزمة الاقتصادية وجائحة كورونا، كانت دورة العمل واضحة: فريق تحرير متماسك، شبكة علاقات واسعة، وإيقاع أسبوعي يوازن بين التحقيقات والحوارات والملفات الخاصة.
لكن مع بداية الانهيار المالي في 2019، ثم وصول كورونا في 2020، تغيّر المشهد بالكامل. تراجعت الإعلانات بشكل غير مسبوق، ارتفعت كلفة الورق والطباعة، وتقلّصت القدرة التشغيلية للمؤسسة. أصبح الحفاظ على العدد الأسبوعي تحديا بحد ذاته. في تلك المرحلة، بدأنا نعيد التفكير في طريقة العمل: كيف نحافظ على جودة المحتوى رغم تقلّص الموارد؟ وكيف نختصر الوقت من دون أن نخسر الدقّة؟ وكيف نواكب التحوّل الرقمي الذي فرض نفسه بقوة؟
هنا بدأ الذكاء الاصطناعي يدخل تدريجيًا إلى غرفة التحرير. استخدمناه في تلخيص المواد الطويلة، تنظيم الأرشيف، وتحضير مسودات أولية تساعد الصحافي على الانطلاق بدل البدء من الصفر. لم يكن بديلًا عن الصحافي، لكنه كان وسيلة لإنقاذ الوقت في لحظة كانت فيها كل دقيقة محسوبة. ومع ذلك، بقيت القيمة الحقيقية في العمل الميداني، في المقابلات، وفي قراءة المشهد اللبناني بتعقيداته—وهي أمور لا يمكن لأي خوارزمية أن تقوم بها.
ومع تراكم التحديات، اتّخذتُ قرارًا بالانتقال إلى العاصمة الأميركية واشنطن، حيث وجدت مساحة أوسع للتفكير وإعادة بناء رؤيتي المهنية. هناك، اكتشفت أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة مساعدة، بل لغة جديدة يجب على الصحافي أن يتقنها. التحقت بدورات متخصصة في الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته الإعلامية، وبدأت أرى المهنة من زاوية مختلفة: كيف يمكن للتكنولوجيا أن تعيد تشكيل الصحافة من دون أن تطيح بجوهرها؟ وكيف يمكن للصحافي أن يستخدم هذه الأدوات ليصبح أكثر قدرة على التحليل، لا أقل؟
هذه الرحلة—من بيروت إلى واشنطن، ومن غرفة تحرير تقليدية إلى فضاء معرفي جديد—جعلتني أدرك أن مستقبل الصحافة لا يقوم على مقاومة التغيير، بل على فهمه وتطويعه. الأزمة الاقتصادية كشفت هشاشة النموذج القديم، وكورونا سرّعت الانتقال نحو الرقمنة ، فيما جاء الذكاء الاصطناعي ليعيد تعريف ما يمكن أن تقدّمه الصحافة وما يجب أن تحافظ عليه: الدقّة، العمق، والقدرة على رواية ما يجري خلف العناوين.
—
بين الأزمة والابتكار
رغم التحديات القاسية التي تواجهها الصحف الأسبوعية—من كلفة الطباعة إلى تراجع الإعلانات—ظهرت مبادرات تثبت أن الابتكار ممكن. تجربة النهار مع “الرئيس الذكي” مثال واضح على قدرة الإعلام اللبناني على تحويل أرشيفه إلى مادة تحليلية تفاعلية تعيد ربط القارئ بتاريخ بلده.
فرص جديدة رغم الصعوبات
* رقمنة الأرشيف وتحويله إلى مصدر قصص وتحقيقات
* إنتاج محتوى متخصص يصعب على الخوارزميات تقليده
* خفض التكاليف التشغيلية عبر الأتمتة
* قراءة أفضل لسلوك الجمهور واهتماماته
مخاطر لا يمكن تجاهلها
* فقدان الهوية التحريرية إذا تشابهت النصوص
* انتشار التضليل
* فجوة المهارات بين الصحافيين
* تراجع الثقة إذا غاب الاستخدام الشفاف للأدوات الذكية
نحو صحافة أسبوعية أكثر ذكاءً
المعادلة اليوم واضحة: الصحافة التي تعرف كيف تستخدم الذكاء الاصطناعي كأداة، لا كبديل، ستنجح في الحفاظ على هويتها وفي تقديم محتوى يليق بقارئ يبحث عن الحقيقة وسط ضجيج المعلومات. أما من يكتفي بالمحتوى السريع، فسيجد نفسه في منافسة مباشرة مع خوارزميات أسرع وأرخص.


