حين يقول رئيس الجمهورية جوزيف عون: “أنا أقول لكم لست مغرماً بإسرائيل إنما اعطوني حلاً آخر لأسير به أياً يكن، وأقول للذين يعارضون هذا الإطار أنا في انتظار أي حل أو اتفاق يخرجنا من الحروب”، فهو لا يكون بذلك مدافعا عن خياره، بل يقرّ ضمناً بأن هناك مشكلة في هذا الخيار، لأن المقتنع بما يفعل لا يطلب من الآخرين أن يبحثوا له عن البديل.
يكرر رئيس الجمهورية سؤاله عن البديل عن اتفاق الاطار الذي توصل له وفده التفاوضي، وعلى الرغم من كونه المسؤول عن التفاوض كما هو اختار، وليس من واجب اللبنانيين تقديم البديل الا اذا قرر التنحي عن تحمل المسؤولية، الا اننا سنقدم البدائل بما أن السؤال طُرح، فهي كانت موجودة، ولا تزال موجودة، إلا لمن قرر منذ البداية السير في طريق واحد.
أولاً، كان يمكن رفض التفاوض المباشر وعدم منح إسرائيل صورة سياسية مجانية كانت تبحث عنها منذ سنوات، وعدم الظهور بموقع المستعجل لإنجاز الاتفاق بأي ثمن، واذا كان لابد من التفاوض المباشر فليكن بثمن باهظ ومرتفع لا مجانا كما حصل.
ثانياً، كان يمكن اختيار وفد تفاوضي يمتلك خبرة سياسية واستراتيجية، لا وفداً يفتقر إلى الوزن والخبرة ويثير علامات استفهام حول طريقة تشكيله والجهات التي دفعت باتجاه اعتماد بعض أعضائه الذين يعتبرون إسرائيل صديقا.
ثالثاً، كان يمكن بناء موقف وطني موحد قبل الذهاب إلى التفاوض، عبر التنسيق مع القوى الأساسية في البلد، وخصوصاً تلك التي تمتلك التأثير الحقيقي على الأرض، بدلاً من إدارة الظهر لها ومعاداتها وتجريمها ظنا بأن سقوطها اصبح محسوما.
رابعاً، كان يمكن الامتناع عن تقديم تنازلات مجانية في ملف السلاح والمقاومة قبل الحصول على انسحاب إسرائيلي كامل وضمانات فعلية، لأن المفاوض الذي يحرق أوراقه قبل بدء اللعبة لن يحصل إلا على المزيد من الضغوط ولا شك ان الوفد التفاوضي الجيد يدرك ذلك، علما ان الوفد المفاوض الحالي ساهم بحرق تلك الاوراق.
خامساً، كان يمكن استثمار التحولات الإقليمية بدل المطالبة بفصل المسار اللبناني عنها، وكأن لبنان جزيرة معزولة، فعندما تكون موازين القوى في المنطقة تتحرك، يستفيد المفاوض الذكي منها ولا يتخلى عنها بإرادته، وعندما تفاوض عدوا كإسرائيل فلا يمكن لمطالبها ومطالبك ان ينسجما او يلتقيا، فكيف يتبنى رئيس الجمهورية مطلبا بفصل لبنان عن مسار التفاوض الاميركي الايراني، وهو مطلب إسرائيلي اول، ويكون ذلك لمصلحة لبنان؟
سادساً، كان يمكن تحويل استمرار الاحتلال والخروقات الإسرائيلية إلى أزمة دولية على إسرائيل، لا إلى أزمة داخلية لبنانية، عبر تفعيل المسارات القانونية التي تخلى عنها لبنان بفعل الاتفاق، والدبلوماسية التي حولها لبنان للهجوم على ايران وربط أي اتفاق بتنفيذ كامل للانسحاب ووقف الاعتداءات، لا الدخول في نقاط تعطي إسرائيل ولا تلزمها.
سابعاً، كان يمكن عدم منح بنيامين نتنياهو الإنجاز الذي كان يبحث عنه في لحظة أزمته الداخلية، والخارجية، وإجباره على دفع ثمن سياسي وأمني أكبر مقابل أي تفاهم، بدل تحويل الاتفاق مع لبنان الى خشبة خلاص يتعلق بها نتانياهو.
ثامناً، كان يمكن التمسك بقاعدة واضحة تقول بألا تطبيع سياسي، ولا تنازلات مجانية، ولا التزامات جديدة قبل تنفيذ إسرائيل التزاماتها كاملة انطلاقا من الاتفاق الموقع في خريف العام 2024.
المشكلة ليست أن أحداً لم يقدم بديلاً، بل أن السلطة تصرفت وكأن لا بديل إلا القبول بما طُرح عليها، وهذه ليست براعة تفاوضية، بل اعتراف بالعجز بأحسن الأحوال، واعتراف بالتواطؤ في أسوئها


