الجمعة، 8 مايو 2026
بيروت
23°C
غيوم متفرقة
AdvertisementAdvertisement

جربوا الابتعاد عن الهاتف.. من اجل صحتكم النفسية

ليال رحال معالجة نفسية، متخصصة بالعلاج التحليلي-النظمي والدمجي.

لم يعد التعب علامة واضحة على كثرة العمل أو الجهد. في العيادة النفسية، ألتقي بأشخاص ينامون جيداً، يواصلون حياتهم، ويبدون بخيرمن الخارج، لكنهم يحملون إنهاكاً داخلياً لا يهدأ. تعب صامت، متراكم، لا يختفي بالراحة ولا يجد اسماً واضحاً له.

عند الإصغاء إلى تفاصيل أيامهم، يظهر عامل واحد يتكرر بهدوء: الشاشة. الهاتف الذي يرافقهم منذ أول لحظة وعي في الصباح، وحتى آخر لحظة قبل النوم. من هنا بدأ يظهر في العمل العلاجي توصيف لحالة نفسية معاصرة يمكن تسميتها «الاحتراق الرقمي». ليس مرضاً، ولا تشخيصاً، بل نمط استنزاف نفسي نرصده يومياً.

نحن نعيش في زمن الاتصال الدائم. الانتباه موزّع، والذهن في حالة استقبال مستمرة. من منظور تحليلي–نسقي، لا يمكن فهم هذا الإنهاك بعيداً عن السياق الذي نعيش فيه. الفرد لا ينهك وحده، بل ضمن نسق اجتماعي يربط القيمة الشخصية بالتوافر، وبسرعة الرد، وبالحضور المستمر على الخط.

في الجلسات، لا تكون المشكلة في عدد ساعات استخدام الهاتف بحد ذاته، بل في طبيعة العلاقة معه. التصفح القهري، التنقل السريع بين المحتويات، وانتظار الإشعارات، كلها أنماط تُبقي النفس في حالة يقظة لا تنتهي. هذه اليقظة المستمرة لا تتيح التهدئة، ولا تسمح للذهن أن يستقر أو يهدأ.

في إحدى الجلسات، قال لي مراجع في منتصف الثلاثينيات: «أشعر أن رأسي لا يصمت أبداً، حتى عندما لا أفعل شيئاً». لم يكن يعاني من أزمة واضحة، ولا من ضغط استثنائي. يومه كان عادياً، لكن هاتفه لم يكن كذلك. إشعارات، رسائل، أخبار، ومقاطع قصيرة تملأ الفواصل الصغيرة بين اللحظات. في العمل العلاجي، لم نبحث عن حل سريع، بل عن تلك المساحات التي اختفت من يومه دون أن ينتبه. بعد أسابيع من إعادة إدخال لحظات صمت متعمّدة، قال بهدوء: «لم يتغيّر العالم، لكنني عدت أسمع نفسي».

كثيراً ما يصف المراجعون شعوراً بالأرق أو القلق أو الإرهاق الذهني. ومع الوقت، يبدأ الجسد بالكلام. صداع في العينين، توتر في الرقبة، انقباض في المعدة، أو شعور بثقل عام. في العلاج النفسي، نفهم هذه العلامات كرسائل تعبّر عن ضغط نفسي طويل الأمد، لا كأعراض منفصلة عن التجربة الداخلية.

الاحتراق الرقمي لا يظهر بشكل واحد. نراه في سرعة الانفعال، في الحساسية الزائدة للتفاعل الاجتماعي، في صعوبة التركيز، وفي شعور دائم بالتشوش. كل ذلك يحدث في غياب أحداث كبرى، ما يجعل الإنهاك أكثر إرباكاً وأصعب تسمية.

في العمل العلاجي، لا نسعى إلى إلغاء التكنولوجيا أو شيطنتها، بل إلى إعادة تنظيم العلاقة معها. التغييرات الصغيرة والمتدرجة غالباً ما تكون الأكثر أثراً. تأخير لمس الهاتف بعد الاستيقاظ، إبعاده أثناء الطعام، أو إطفاء الشاشات قبل النوم، ليست تعليمات بقدر ما هي محاولات لاستعادة مساحة داخلية مفقودة.

كثيراً ما يعبّر المراجعون عن شعور بالذنب عندما لا يردّون فوراً على الرسائل. هذا الذنب لا يعكس تقصيراً شخصياً، بل يعكس توقعات رقمية جديدة أصبحت تُعامل كقواعد غير مكتوبة. في العلاج، نعمل على استعادة الحق في الحدود، وفي الحضور المتأني. أحياناً، يكون الرد البطيء أكثر صدقاً من التفاعل السريع المشتت.

الاحتراق الرقمي ليس ضعفاً، ولا فشلاً في التكيّف. هو إشارة نفسية واضحة إلى أن الإيقاع الحالي مرهق. إعادة النظر في علاقتنا بالشاشات لم تعد رفاهية، بل خطوة أساسية في حماية صحتنا النفسية، وفي استعادة علاقتنا بأنفسنا في عالم لا يتوقف عن الاتصال.

فالسؤال الذي يبقى:
متى كانت آخر مرة سمحنا فيها لأنفسنا أن نكون حاضرين… من دون شاشة؟

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

المرأة بين الأمس واليوم: من الصورة النمطية إلى عبء الاستقلالية

كم هو شاق أن ترسم طريقًا وسط عقبات وحواجز من جبال حجرية وليس لديك أدوات مناسبة. كم هو مضنٍ العمل في إطار مؤسساتي محكوم عليك بالعبودية دون أن تتلقى راتبًا برسم تلبية نداء الواجب...

رحلة

في كثير من البيوت، تبدو الحياة هادئة من الخارج. لكن تحت هذا الهدوء، تعيش العائلات طبقات من التعب والصمت والخلافات الصغيرة التي لا تجد طريقها إلى الكلام. وهذه العائلة لم تكن...

رحلة 1 "س" من البقاء إلى الحياة

كانت “س” في الرابعة عشرة عندما فُرض عليها الزواج، في بيت لا يسمع فيها إلا صوت الكبار وأوامرهم، حيث لم يكن للطفولة أي مكان، ولا للفشل أي عذر. في يوم زفافها، ارتدت...