تخيلي أن تدخلي غابة من المرايا، حيث كل مرآة تعكس لكِ صورة مشوهة عما تظنينه عن نفسك، وكل همسة خلفكِ تشعركِ بأنكِ مذنبة لأنكِ اخترتِ “الحياة” بدلاً من “السترة”.
في مكتبي، لا أجلس مع مريضات بالمعنى السريري الكلاسيكي، بل أجلس مع ناجيات يحاولن فك شفرات مجتمع يقدس الاستمرار على حساب الكرامة. جلست أمامي امرأة، عيناها تتنقلان بتوتر بين زوايا الغرفة، وكأنها تبحث عن مخرج طوارئ من ثقل قرارها: إنهاء زواج مؤذٍ. لم يكن وجعها من الذكريات فقط، بل من “ما بعد النهاية”. قالت لي بجملة تختصر رعب آلاف النساء في مجتمعنا اللبناني: “أنا خايفة من المحكمة.. بس بنفس الوقت ما بدي كفّي”. الخوف هنا لم يكن قانونياً، بل كان من “زنزانة الحي”.
في جلساتنا، كانت تحكي لي كيف يتحول المشوار إلى السوبرماركت إلى ساحة قتال نفسي. كيف تلمح نظرات الرجال التي تتبدل من الاحترام إلى الفضول الجارح، وكيف تسمع تعليقات النساء اللواتي يقلن “يا ريت ابننا متزوجتك” وكأنها “بضاعة” استعادت قيمتها بمجرد أن أصبحت “متاحة” مجدداً. هذا الضغط، هذه “الوشوشات” في الزواريب والبيوت، هي عنف اجتماعي لا يقل قسوة عن التعنيف داخل الجدران الأربعة.
العلاقة المؤذية ليست دائماً كدمة على الوجه. أحياناً تكون “إلغاءً” منظماً، حيث يتم تهميش رأيكِ حتى تنسي صوتكِ. تكون “سيطرة مقنعة” بعباءة الاهتمام: “وين رحتي؟ مع مين حكيتي؟”. وتكون أحياناً “خنقاً مادياً” يجعل قراراتكِ مرهونة برغيف الخبز.
في رحلتنا العلاجية، كنا نبني “درعاً”. سألتها: “شو بدك فعلاً؟“ وكان الجواب يبدأ بخطوات بمثابة زلزال في وجه المجتمع: إعادة بناء الثقة بعيداً عن “كلام الناس”، التخطيط لمشروع صغير يمنحها استقلالاً مادياً (لأن المال في لبنان هو سلاح للحماية)، والعودة لمقاعد الدراسة لفتح أفق لا يملكه أحد غيرها.
مع الوقت، تبدلت الابتسامة المرتجفة بأخرى واثقة. قالت لي يوماً: “بغضب لما حدا يحكم عليّ.. بس بعدين بفكر، هيدا حدا غير مهم.. المهم أنا أفهم نفسي”. هنا يكمن الجوهر؛ التعافي ليس ورقة طلاق من المحكمة، بل هو طلاق نفسي من “نظرة الآخر”. هو أن تدركي أنكِ لستِ ضحية، بل صانعة مصير. أن تعيشي “وحدك” بكرامة، أفضل بآلاف المرات من أن تعيشي “معهم” وأنتِ مكسورة الجناح. القرار الحقيقي لا يأتي من القلب الذي يتألم فحسب، بل من العقل الذي يرفض الانطفاء.


