الخميس، 4 يونيو 2026
بيروت
22°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

حجة إبراهيم عليه السلام

الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى.
قال الله تعالى:{وتلك حُجَّتُنآ ءاتيناهآ إبراهيم على قومه نرفَعُ درجاتٍ من نشآء إن ربك حكيمٌ عليم} سورة الأنعام.
لا ريب أن للعقل السليم اعتبارًا وأن كل عاقلٍ يُدرك إن تأمَّل بعقله ونظر في الأمور نظرةَ منصفٍ كثيرًا من الحقائق التي لا يمتري فيها عاقلان ونظرًا لما يؤدي إليه الاستدلال العقلي من نتائج صحيحة فنحن مأمورون بالنظر العقلي للوصول إلى تلك النتيجة قال تعالى:{وقالوا لو كنَّا نسمع أو نعقل ما كنَّا في أصحاب السعير} سورة الملك. والمعنى أن الكفار يوم القيامة يقولون لو كنا نسمع أي الإنذار سماع طالبٍ للحقٍ يريد أن يتبيَّن له الصواب فيتَّبعه أو نعقل أي نستعمل عقلنا كما ينبغي فنتأمَّل بالنظر العقلي لعرفنا الحق واتبعناه ولما كنا اليوم في أصحاب السعير أي النار وقال تعالى أيضًا:{أفلم يسيروا في الأرض فتكُون لهم قلوبٌ يعقلون بهآ أو ءاذانٌ يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تَعمى القلوب التي في الصدور} سورة الحج.
ومن هنا فلا ينبغي إهمال الدليل العقلي.
وحيث عُلم هذا فيُناسب أن نؤيد ما نقول بحُجَّة سيدنا إبراهيم عليه السلام فنقول:
قال الله تعالى:{ألم تر إلى الذي حآجَّ إبراهيم في ربه أن ءاتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويُميت قال أنا أُحيي وأُميت قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأتِ بها من المغرِبِ فبُهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين} سورة البقرة.
فقد ناظر إبراهيم عليه السلام النمرود بالدليل العقلي وكان النمرود قد اغتر بملكه فادعى الألوهية من دون الله تعالى وزعم أنه يُحيي ويُميت. بل رُوي أنه أتى برجلين قتل أحدهما فقال: أمتُّه وأطلَقَ الآخر فقال: أحييته، فقال إبراهيم عليه السلام {فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبُهت الذي كفر} أي انقطع وتحيَّر ولم يدر جوابًا، والمعنى أنك يا نمرود كاذبٌ فيما تدَّعي ولست خالقًا فإن الخالق وهو الله يأتي بالشمس من المشرق أي على زعمك يا نمرود إن كنت أنت الخالق ولست كذلك فأت بها من المغرب، فقد رأى إبراهيم عليه السلام ضعفَ فَهْمِ النمرود حيث زعم إن الإحياء والإماتة نظير ما فعل من قتل أحد الرجلين وترك الآخر ولم يعلم أن فِعْل الله ليس كفعل الَخلق بل فعله تعالى صفةٌ له في الأزل والمفعول أي المخلوق حادثٌ فدمغه إبراهيم عليه السلام بحجةٍ عقليةٍ لا جواب له عليها.
حجةٌ أخرى لإبراهيم عليه السلام
وإليك زيادةً على ما مرَّ حجة عقلية أخرى من حُجج إبراهيم عليه السلام قال الله تعالى:{وكذلك نُري إبراهيم ملكوت السموات والأرض ولِيكون من الموقنين فلمَّا جنَّ عليه الليل رأى كوكبًا قال هذا ربي فلمَّآ أفَلَ قال لا أحب الأفلين فلما رأى القمر بازغًا قال هذا ربي فلمَّا أفَلَ قال لئن لم يَهْدني ربي لأكونن من القوم الضَّآلين فلمَّا رأى الشمس بازغةً قال هذآ ربي هذا أكبر فلمَّآ أفلت قال يا قوم إني برىءٌ مما تُشركون} سورة الأنعام.
فقد احتج إبراهيم عليه السلام على عدم استحقاق الشمس والقمر والكوكب الألوهية بكون كلٍ من الثلاثة قد تَغيَّر من حالٍ إلى حال وكان تغيُّرهم من الظهور إلى الأفول والمتغير محتاجٌ إلى من غيَّره والمحتاج إلى غيره عاجزٌ فلا يكون أزليًا ولا يكون إلهًا، وقد أحسن العوامُّ حيث قالوا: “سبحان الذي يُغيِّرُ ولا يتغيَّر” فالتغيُّر دليل الحدوث بل هو أقوى أدلة الحدوث فإن المتماثلات يجوز عليها في العقل ما يجوز على بعضها فليس أحدٌ من المتماثلات أولى بالألوهية من الآخر، قال النسفي في “مَدَارك التنزيل” “وكان أبوه(أي والد سيدنا إبراهيم) وقومه يعبدون الأصنام والشمس والقمر والكواكب فأراد أن ينبههم على الخطإ في دينهم وأن يُرشدهم إلى طريق النظر والاستدلال ويُعرِّفهم أن النظر الصحيح مؤدٍ إلى أن شيئًا منها ليس بإلهٍ لقيام دليل الحدوث فيها ولأن لها مُحدثًا أحدثها ومُدبِّرًا دبَّر طلوعها وأفولها وانتقالها ومسيرها وسائر أحوالها”
وقال أبو حيَّان الأندلسي في “البحر المحيط” “استدل بما ظهر عليها من شأن الحُدوث والانتقال من حالٍ إلى حال وذلك من صفات الأجسام فكأنه يقول: إذا بان في هذه النيِّرات الرفيعة أنها لا تصلحُ للربوبية فأصنامكم التي من خشبٍ وحجارةٍ أحرَى أن يتبين ذلك فيها ومثَّل لهم بهذه النيِّرات لأنهم كانوا أصحاب نظرٍ في الأفلاك وتَعَلُّقٍ بالنجوم” وفيه أيضًا “فقال ذلك على سبيل الاحتجاج عليهم وبيَّن أنها (أي الشمس) مُساويةٌ للقمر والكواكب في صفة الحدوث”
فإن قيل ما معنى قوله: هذا ربي فالجواب أن هذا على تقدير الاستفهام الإنكاري فكأنه قال أهذا ربي كما تزعمون.
قال أبو حيَّان في “النهر المادّ” ” ولا يريد بذلك الاعتقاد وإنما ذلك مثل أن ترى رجلًا ضعيف القوة لا يكادُ ينهض فيقول إنسانٌ هذا ناصري؟ بمعنى أنه لا يقدر على نُصرتي مثل هذا”
قلت: والاستفهام الإنكاري يُعرف من نبرة الصوت.
وخلاصة القول: إن إبراهيم عليه السلام لم يعبد غير الله. قال تعالى:{ولقد ءاتينآ إبراهيم رشده من قبل} سورة الأنبياء. قال القرطبي في جامعه “أي هديناه صغيرا”.
وفي “التفسير الكبير للفخر الرازي” “مما يستدل به على أن إبراهيم عليه السلام كان يعرف ربه قبل ما كان منه حين رؤية الشمس والقمر والكوكب أنه قال قبل ذلك لأبيه آزر ما أخبر الله به في سورة الأنعام{أتتخذ أصنامًا آلهةً إني أراك وقومك في ضلالٍ مبين}” معناه: أن إبراهيم عليه السلام أنكر على أبيه عبادة الأجسام قبل أن يقول ما قال حين رأى الشمس والقمر والكوكب وهذا معناه كان ينزه معبوده تعالى عن الجسمية إذًا كان عليه السلام مؤمنًا بعدم استحقاق الشمس والقمر والكوكب الألوهية.
ثم إن القول بألوهية الكوكب وغيره من المخلوقات ضدُّ عقيدة الإيمان ويستحيل على الأنبياء أن يقولوا أو يعتقدوا ما يُناقض الإيمان وإلا لارتفعت الثقة بهم ولقال لهم الكفار كيف تدعون اليوم إلى عبادة الله وكنتم بالأمس تدعون إلى عبادة غيره وما يدرينا لعلكم بعد حينٍ تدعون إلى عبادة شىء آخر، والله حكيمٌ قد عصم الأنبياء عن هذا.والحمد لله أولًا وآخرًا.

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

ظهر الفساد فالزم السَّداد

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى قال الله تعالى في القرآن الكريم:{ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليُذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون} سورة الروم. قد ظهر...

في كل كبدٍ رَطْبةٍ أجرٌ

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى قال الله تعالى في القرآن الكريم:{وافعلوا الخير لعلكم تفلحون} سورة الحج في الآية تأكيدٌ على فعل الخير وهو شاملٌ لأداء الواجبات واجتناب...

رسالة إلى مريد الحج

الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى. قال الله تعالى في القرآن الكريم: :{ولله على الناس حجُّ البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غنيٌ عن العالمين} سورة آل عمران....

لغضب غول الحلم

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى. قال الله تعالى:{وإذا ما غضبوا هم يغفرون} سورة الشورى. وعن أبي هريرة أن رجلًا قال للنبي صلى الله عليه وسلم أوصني، قال: “لا تغضب...

الإمام البخاري جبل الحفظ

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى. قال الله تعالى في القرآن الكريم:{إن الله يُدافع عن الذين ءامنوا إن الله لا يحب كل خوَّانٍ كفور} سورة الحج. وقال تعالى أيضًا:{ولو...

الاستعلام قبل الاتهام

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى. قال الله تعالى في القرآن الكريم:{يآ أيها الذين ءامنوا إن جآءكم فاسقٌ بنبإٍ فتبيَّنوا أن تُصيبوا قومًا بجهالةٍ فتُصبحوا على ما فعلتم...