الخميس، 25 يونيو 2026
بيروت
23°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

هكذا يحب لنا الحسين لو كان حيًّا

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى.
قال الله تعالى في القرآن الكريم:{وَ قُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَ رَسُولُهُ وَ الْمُؤْمِنُونَ وَ سَتُرَدُّونَ إِلى‏ عالِمِ الْغَيْبِ وَ الشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} سورة التوبة.
جديرٌ بنا في عاشوراء أن نتذكَّر القيم النبيلة والخصال الجليلة التي خرج لأجلها سيدنا الإمام الحسين عليه السلام وناضل لأجل تحقيقها وأبى أيُّما إِباءٍ أن يُعطي بيده إعطاء الذليل وأن ينقاد لعدوه انقياد الهمج الرَّعاع برغم الأسى والألم والجراح، لم يختر الحرب ولكن حين رآها واقعةً لم يفرَّ ولم يجبُن ولم يضعُف بل وقف أشجع من الأسد وصمد صمود الجبال الرواسي، وما أحوجنا اليوم أن نتعلَّم من الحسين دروس الشجاعة والإباء والحكمة، فلا نُداهن ولا نصفِّق للحاكم تصفيق العُميان ولا نسير وراء القائد سير الشياه من غير مراجعةٍ للقرارات ودون الرجوع إلى الحق، فعن عليٍ عليه السلام أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:”الطاعة في المعروف” رواه البخاري. وعن عمران بن الحصين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:”لا طاعة لمخلوقٍ في معصية الخالق” رواه الطبراني. وعن حذيفة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:”لا ينبغي للمؤمن أن يُذِلَّ نفسه قالوا: وكيف يُذِلُّ نفسه قال: يتعرَّض من البلاء لما لا يُطيق” رواه الترمذي. فيُستفاد من هذه الأحاديث أنه ينبغي التحلِّي بالحكمة وعدم الخضوع للزعيم خضوع الأعمى لمن يأخذ بيده فربما سار بك إلى المهلكة وأنت تظن في طاعته سبيل النجاة.
لقد ضرب الإمام الحسين أروع الأمثلة في الكفاح والتَّصدي للبغاة وما زالت تلك الملحمة الكبرى وما رافقها من أحداثٍ مأساويةٍ درسًا على مر العصور لكل من أراد أن يقرأ في كتاب العزة والكرامة الذي خطَّت سطوره همة وشهامة وشجاعة الحسين بدل اتخاذ عاشوراء مجرد موسمٍ للعويل والنواح فإن البكاء على الماضي لا يرُدُّ المجد التليد وإن الوقوف على الأطلال لا يُعيد بناء جُدرانها المتهدِّمة. لقد كان استشهاد الإمام الحسين سنة إحدى وستين للهجرة المشرَّفة ونحن اليوم في سنة ألفٍ وأربعمائةٍ وثمانٍ وأربعين أي منذ الفِ وثلاثمائةٍ وسبعةٍ وثمانين عامًا ومع ذلك ما زالت كربلاء جرحًا ينزف في أفئدة الشرفاء. وقد سبق وتكلمنا عن بعض الأحداث التاريخية العاشورائية وعن شىءٍ من سيرة الحسين واستشهاده في مقالاتٍ سابقةٍ فلينظرها من شاء لكننا نسمح لأنفسنا أن نسأل أو أن نتساءل:
لو كان الحسين عليه السلام حيًّا بين أظهُرنا فما الذي يُرضيه منا وأي مثلٍ يرضاه لأمةٍ أضحت الذئاب الضارية تنهشها من كل ناحيةٍ وغدت أراضيها فريسةً سهلةً بين أنياب أعداء الحق وحلفاء الباطل.
ماذا نقول للحسين لو كان بيننا ومئاتٌ من رجالنا الأبرياء يقبعون في سجون عدونا؟
أم ماذا نقول ومئاتٌ من نسائنا ما بين أمٍ ثكلى وأيِّمٍ فقدت سندها وعجوزٍ أقصى أمانيها أن تضم ولدها إلى صدرها قبل الموت؟ ومساحاتٌ كبيرةٌ من ديارنا الإسلامية مستباحةٌ تحت أقدام المتغطرسين. وأينما نظرت في أوطان أمتنا تجد ما يدمي القلب ويُؤرق العين لا سيما فلسطين الأبية التي كانت ولا تزال القضية المركزية للأمة.
وترى مسؤولين شبعت بطونهم فناموا عن معالجة المشاكل المتفاقمة وصُمَّت آذانهم فلم يسمعوا نداء المحتاجين فكانوا من حيث لا يدرون عونًا للعدو على إخوانهم وأوطانهم، فكم في أمتنا من متشردٍ لا مأوىً له وجائعٍ لا يجد ما يسد به رمقه ومتألمٍ لا يجد بلسمًا لأوجاعه ومظلومٍ أودع غياهب السجن ربما لأنه طالب يومًا بحقه أو لأنه تفوَّق في الدراسة على ولد الزعيم أو انتقامًا من أخته أو بنته التي رفضت قريب ذاك الزعيم زوجًا لها يومًا أو ربما لأنه ما انتبه مرةً لموكب ذاك الصنديد فلم يفسح له طريق المرور؟ فعذرًا سيدي الحسين ماذا نقول؟ أم ماذا نشكو؟
فليكن البكاء إذًا على ما ضاع وسط مجتمعاتنا من قيم وتعاليم الحسين العظيمة ولتكن اجتماعاتنا المتكررة دروسًا نستذكر فيها من تلك القيم ما ننهض به من كبوتنا اليوم ولتكن قراءة سيرة الحسين حافزًا لإيقاظ الضمائر لا مجرد مجلسٍ تُذرف فيه الدموع ويكثر فيه العويل، ونحن اليوم كمريضٍ يرقد في غرفة العناية الفائقة لم يعد جسده المنهك يتحمَّل مزيدًا من الطعَنات والجراحات ولا يُجدي البكاء عند رأسه الغائب في سُبات الغيبوبة.
لقد كان سيدنا الحسين إمامًا سندًا بطلًا كريمًا عظيم النفس ذا همةٍ عالية ولو أردنا أن نسترسل في شرح عناوين عظمة الحسين لطال الكلام جدًا فمن يحصي عدد نجوم السماء أو من يطال فلك الشمس وحسبنا من دلائل عظمة الحسين قول الله تعالى في القرآن الكريم:{إنما يريد الله ليُذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرًا} سورة الأحزاب. وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم في الحسن والحسين “اللهم إني أحبهما فأحِبَهما” رواه البيهقي.
وما أحوجنا اليوم وبعد مئات ومئات السنين أن نحيي سيرة الحسين من خلال التأسي بشخصيته المباركة، فمن كان عاشقًا حقيقيًا للحسين فليترجم تلك المحبة سيرةً حسنةً بين الناس وليتخلَّق بأخلاق الحسين فإنه لو كان الحسين عليه السلام حيًّا لأحب لنا الاجتماع على الحق ولأحب لنا إغاثة الملهوف وإعانة المسكين وإطعام الجائع ومحاسبة الفاسدين الذين أطاحوا بالبلاد والعباد وما زالوا يمعنون في الشر دون أن يرِفَّ لهم جفنٌ إزاء ما آلت إليه أحوال الناس هذا إن كانوا يرون الناس أصلًا.
لم يتوان الإمام الحسين في الخروج بقصد الإصلاح فلم تغره المغريات ولم ترعبه التهديدات وما زال يروم الإصلاح في أمة جده رسول الله صلى الله عليه وسلم وبرغم تخاذل المتخاذلين وتراجع الخائبين ظل الحسين صامدًا راسخًا كالطود الشامخ ولسان حاله يقول لعدوه:
وإذا لم يكن من الموت بدٌ فمن العار أن تموت جبانا
فلتكن إذًا عاشوراء درسًا ومعلمًا للعزة والشموخ وبرهانًا على أن مجرد التصفية الجسدية لا تعني انتصار العدو. فكم من عظيمٍ استُشهد في ميادين الشرف فقُتل ولم يُقتل خطُّه وسقط ولكن إلى فوق؟ ولقد مضى الحسين ومضى ظالموه فبقيت سيرة الإمام رمزًا للكرامة وسبيلًا للعزة والمجد، وصارت سيرة قاتليه عنوانًا للعار وطاعة الزعيم في معصية الله تعالى، فبئس التابع وبئس المتبوع.
والحمد لله أولًا وآخرًا.

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

فضل الإحسان للزوجة

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى. قال الله تعالى في القرآن الكريم:{وعاشروهن بالمعروف} سورة النساء. وعن أم المؤمنين عائشة قالت: قال النبي صلى الله عليه وسلم...

الهجرة النبوية... حين يصنع الإيمان التاريخ العظيم

ونحن نستقبل نفحات العام الهجري الجديد ، وتقف أرواحنا في رحاب ذكرى الهجرة النبوية المباركة ، تتجه الأبصار إلى ذلك الحدث الهائل الذي شكّل منعطفًا خالدًا في مسيرة الدعوة الإسلامية،...

من معاني الهجرة الشريفة

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى: قال الله تعالى في القرآن الكريم :{إلا تنصروه فقد نصره الله إذ اخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن...

ظهر الفساد فالزم السَّداد

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى قال الله تعالى في القرآن الكريم:{ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليُذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون} سورة الروم. قد ظهر...

في كل كبدٍ رَطْبةٍ أجرٌ

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى قال الله تعالى في القرآن الكريم:{وافعلوا الخير لعلكم تفلحون} سورة الحج في الآية تأكيدٌ على فعل الخير وهو شاملٌ لأداء الواجبات واجتناب...

رسالة إلى مريد الحج

الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى. قال الله تعالى في القرآن الكريم: :{ولله على الناس حجُّ البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غنيٌ عن العالمين} سورة آل عمران....