الأربعاء، 9 سبتمبر 2026
بيروت
28°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

حين يعتقد أي فريق أنّ لبنان ملك له، تبدأ الأزمة. وحين يرفض أن يشاركه الآخرون في الوطن، تبدأ نهاية الدولة .

مخطئٌ من يظنّ أنّ لبنان ملكٌ له أو لطائفته، ومخطئٌ أكثر من يعتقد أنّ هذا الوطن يمكن أن يُفصَّل على قياس جماعة واحدة دون سواها. فلبنان، منذ نشأته، لم يكن يوماً مشروع غلبةٍ لطائفة، بل فكرة وطنٍ يقوم على الشراكة بين مكوّنات متعدّدة اجتمعت لتبني دولة تتّسع للجميع.

المشكلة التي واجهها لبنان عبر تاريخه لم تكن في تنوّعه، بل في محاولة بعض القوى تحويل هذا التنوع إلى معادلة هيمنة. فكلّما حاول فريق أن يتصرّف وكأنّه صاحب الحق الحصري في الوطن، دخل البلد في دوّامة صراعات وانقسامات، لأنّ فكرة الاحتكار تتناقض مع طبيعة لبنان نفسه.

لبنان ليس وطناً لطائفة واحدة، ولن يكون كذلك. هو وطنٌ لجميع أبنائه، بكلّ طوائفهم وانتماءاتهم. ومن يصرّ على التعامل معه كأنه مساحة نفوذ لفريق دون آخر، إنما يقود البلد إلى مزيد من التصدّع بدل أن يساهم في بنائه.
لقد أثبتت التجارب المتكرّرة أنّ كل محاولة لاحتكار لبنان أو إخضاعه لمنطق الغلبة سرعان ما تقود إلى الأزمات.

فالدول التي تُبنى على الإقصاء تبقى هشّة، أمّا الدول التي تقوم على التوازن والعدالة فتكون أكثر قدرة على الاستمرار.
والحقيقة التي لا يريد كثيرون الاعتراف بها هي أنّ لبنان لا يقوم بالغلبة بل بالتوازن، ولا يستمر بالإقصاء بل بالشراكة. وأي مشروع سياسي يقوم على تفوّق طائفة على أخرى هو مشروع محكوم بالفشل، لأنه يتجاهل طبيعة هذا البلد وتركيبته.

إن إنقاذ لبنان لا يبدأ بإعادة توزيع النفوذ بين الطوائف، بل بإعادة تثبيت فكرة الدولة. دولةٌ يشعر فيها كل مواطن أنّه شريك كامل في الوطن، لا تابعٌ لزعيم ولا ضيفٌ في أرضه. دولةٌ يكون فيها القانون هو المرجعية الوحيدة، لا موازين القوى الطائفية.

لبنان يحتاج اليوم إلى إعادة تعريف العلاقة بين أبنائه: علاقة مواطنين في دولة واحدة، لا جماعات تتنافس على اقتسام وطن. فالوطن لا يُدار بمنطق الحصص، ولا يُبنى بعقلية الغلبة، بل يُصان عندما يشعر الجميع أنّه بيتهم المشترك.
إن أكبر خطر على لبنان ليس تنوّعه، بل محاولة تحويل هذا التنوع إلى ساحة صراع دائم. فالتنوّع يمكن أن يكون مصدر غنى إذا حُكم بمنطق الدولة، لكنه يتحول إلى مصدر نزاع إذا أُدير بمنطق الطوائف.

لهذا فإن معركة لبنان الحقيقية اليوم ليست بين طائفة وأخرى، بل بين مشروعين: مشروع الدولة التي تجمع الجميع تحت سقف القانون، ومشروع النفوذ الذي يحاول أن يحوّل الوطن إلى ملكٍ لفئة دون سواها.

وفي النهاية تبقى الحقيقة بسيطة وواضحة، لبنان لم يُخلق ليكون غنيمة يتقاسمها الأقوياء، ولا مساحة نفوذ تحتكرها طائفة دون أخرى. لبنان وُجد ليكون وطناً مشتركاً لجميع أبنائه، وإذا ضاعت هذه الحقيقة… ضاع الوطن نفسه.

لبنان إمّا أن يكون وطناً لجميع أبنائه… أو لن يكون وطناً لأحد.
حين يصبح الوطن ملك طائفة، يموت الوطن. وحين يصبح وطناً للجميع، تولد الدولة…

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

نائب الغلابة.. عمرو رشاد يتكفل بسداد المصروفات الدراسية للطلاب غير القادرين بالجيزة

أعلن المهندس عمرو رشاد، عضو لجنة الإسكان والإدارة المحلية والنقل بمجلس الشيوخ وعضو لجنة القيم، ورئيس قطاع وسط الجيزة بحزب حماة الوطن، إطلاق مبادرة «إحنا أهل»، للتكفل بسداد...

الكتاب الذي منعت أميركا نشره

كاتبه جون بيركنز لم يكن صحفيا، كان موظفا رسميا في شركة اسمها MAIN العملاقة. هذه الشركة واجهة لوكالة الامن القومي NSA. وظيفته في البطاقة: خبير اقتصادي كبير. وظيفته الحقيقية: قاتل...

من علي الطاهر إلى صناديق الاقتراع... الحرب التي تجمع ترامب ونتنياهو وتفرقهما.

تقترب صناديق الاقتراع، وتقترب معها المنطقة من مرحلة تبدو فيها السياسة والميدان وجهين لمعركة واحدة. فالانتخابات الإسرائيلية في 27 تشرين الأول، تليها الانتخابات الأميركية في 3 تشرين...

كفررمان والجنوب... هل هؤلاء بنية تحتية؟

تسعة أسماء. بينهم أطفال ونساء. سقطوا في مجزرة بلدة كفررمان الجنوبية: محمد نعيم فرحات، حسن وحسين ومحمد وفاطمة فرحات، زهراء أيوب، والأطفال مريم وعبدالله وعباس فرحات. هل هؤلاء...

المعتدي والمعتدى عليه أوروبا بين شعارات القيم ومنطق المصالح

المنظومة الدولية التي وُلدت بخطيئة الازدواجية منذ أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، تأسست المنظومة الدولية على أسس نظرية سامية الديمقراطية، وحقوق الإنسان، وسيادة القانون،...

هل كان سيد قطب مفكراً عظيما ام ارعابياً

خاف الأميركيون من ارتماء العرب في أحضان الشيوعية ، وقرروا جذب الشيوخ والكتاب المؤثرين أصحاب الكلمة المسموعة والاتفاق معهم لإكراه المسلمين في الشيوعية وتكفيرهم كونهم ضد الإسلام ،...