السبت، 25 يوليو 2026
بيروت
25°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

فتح في زمني عرفات وعباس "1"

إذا اعتمدنا الأول من كانون الثاني يناير، يوماً رسمياً لولادة حركة فتح وجناحها العسكري قوات العاصفة، فسوف يكون عمرها حين يُعقد مؤتمرها الثامن واحداً وستين عاماً.

وبذلك تكون عقدت ثلاث مؤتمراتٍ عامةٍ على أرض الوطن، سبقها خمس مؤتمراتٍ في المنفى، الاثنان اللذان عُقدا على أرض الوطن كانا تحت زعامة عباس، والخمسة التي سبقت كانت تحت زعامة عرفات.

وعلى مدى عمرها المديد وإلى أن ظهر الإسلام السياسي، بتجسيده الفلسطيني حركة حماس، المنافسة على المكانة الأولى في الحالة الفلسطينية، كانت فتح ومن خلال احتكارها القيادة عبر منظمة التحرير، تحتل موقع المركز في الحركة الوطنية الفلسطينية، بكافة تشكيلاتها واجتهاداتها الفكرية والسياسية.

وموقع المركز كذلك في الإنجازات الرئيسية التي تحققت وعنوانها الأبرز وربما الأهم، اعتراف العالم كله بما في ذلك الخصوم بمنظمة التحرير تحت قيادتها، ممثلاً شرعياً وحيداً للشعب الفلسطيني.

كانت فتح مطلقة الرصاصة الأولى في الثورة المسلّحة، ومؤسسة طاولة المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، وبفعل ذلك عادت إلى أرض الوطن لتدخل وتُدخل معها الحالة الفلسطينية إلى مرحلة جديدة، من أهم خصائصها التوقف رسمياً عن العمل المسلّح، والانصراف كليةً إلى تأسيس السلطة الوطنية على أي جزءٍ يتم الانسحاب الإسرائيلي عنه حتى لو كان محدود المساحة بحجم غزة وأريحا أولاً.

كان الغطاء السياسي لما أقدمت عليه، قرارٌ قديمٌ صدر عن المجلس الوطني، أجاز إقامة السلطة الوطنية على أي جزءٍ من الأرض ينسحب الاحتلال عنه، إضافةً إلى تقديرٍ سياسي يعتبر أرض السلطة الوطنية الفلسطينية، بحدودها الجغرافية والسيادية، المتفق عليها مع إسرائيل، هي حالةٌ انتقاليةٌ ستُفضي خلال خمس سنواتٍ إلى قيام الدولة الفلسطينية على كامل الأرضي التي احتلت في العام 1967، مع فتح ملفات ما وُصف بقضايا الحل الدائم، مثل الحدود واللاجئين والاستيطان والمياه.

دخلت فتح وعرّابها ياسر عرفات إلى هذه التجربة الأقرب إلى المجازفة، بفعل دافعين جدّيين، الأول استحالة بقاء القيادة على بعد آلاف الأميال من الوطن، بعد أن فُتحت بوابةٌ للعودة إليه، والثاني إجماعٌ إقليميٌ ودولي، باعتبار مدريد – أوسلو وما نجم عنهما فرصةً تستحق الدعم والتبني وإعفاء الفلسطينيين من التهمة الملتصقة بهم، وهي أنهم لم يتركوا فرصةً لإضاعة الفرص إلا واغتنموها.

انتقل مركز العمل الفلسطيني من المنفى إلى أرض الوطن، وانتقل وضع عرفات من قائدٍ لثورةٍ مسلحة معظم قواها وفعالياتها في المنفى، إلى قائدٍ لتجربةٍ أقرب إلى المجازفة، مركزها ما أمكن الحصول عليه من الوطن، وذلك مع قليلٍ من الانتباه لمضاعفات ومحاذير بناء سلطةٍ ثم دولة، انقسم الإسرائيليون حولها مناصفة وبفارق صوتٍ واحدٍ في برلمانهم.

رمالٌ متحركة تجاذبات حركة فتح من داخلها ومن حولها، اندفع فريقٌ ضخم من أعضاء وكوادر الخارج مع فريقٍ أضخم من منتسبي الداخل، لتنشأ إشكالياتٌ عديدة، شديدة التأثير السلبي على حالتها بإجمالها… القادمون من الخارج رأوا أنفسهم بحكم التجربة والممارسة السياسية والديبلوماسية والإدارية، أكثر أحقيةَ من زملائهم المقيمين على أرض الوطن، الذين معظمهم يحمل على كاهله سنوات اعتقالٍ من سنةٍ على أقل الأقل، حتى المؤبد، وذلك حمل ياسر عرفات الذي هو رئيس كل شيء في فتح والمنظمة والسلطة والداخل والخارج، إلى الانهماك في توزيع المراتب والمواقع، ليس بمعيار الكفاءة المهنية، وإنما بالمعايير النضالية والاسترضائية، التي وصلت حدّ معادلة سنوات السجن بسنوات التحصيل الجامعي، وتوريث من كانوا مسؤولين في الخارج مواقع مماثلةً في الداخل.

ومثلما كان كل نجاحٍ يُنسب لفتح وقيادتها الاحتكارية للمؤسسات الوطنية، فإن كل فشلٍ في أي اتجاه لابد وأن يُنسب إليها، ولكن هذه المرة الفشل يصيب التجربة الفلسطينية الجديدة بجملتها وتفاصيلها.

بُنيت سلطة فتح ومنظمة التحرير وإمكانيات التحوّل إلى دولة، على أساساتٍ غير مكتملة تجسّدها هشاشة الالتزامات الإسرائيلية التي اتفق عليها في أوسلو، وما تلاها من تفاهماتٍ انبثقت عنها، وكان أن اندمجت فتح كلياً في السلطة، رغم ادّعاء بعضها بوجود فارقٍ بدا وهمياً بينها كإطارٍ كفاحيٍ وبين السلطة كإطارٍ حكومي، وكان أن تحمّلت فتح وزر التراجعات الفادحة، في مشروع التسوية الذي هو مشروعها ما وضع بيد حماس المنافسة رصيداً ثميناً أجادت استخدامه لإنهاء نفوذ فتح في غزة، وزعزعته في الضفة والمشاغبة عليه في كل مكان.

مع انحدار الحالة السياسية وانهيار مشروع أوسلو، وتراجع مكانة ونفوذ فتح من خلال فشل رهانها على التسوية، وتفاقم الصراع الداخلي فيها، تمكّنت حركة حماس من طرح نفسها كبديلٍ عمن وصفتهم بالمفرطين بأغلى ما ملك الشعب الفلسطيني.. الكفاح المسلّح، دون انتباهٍ من جانبها إلى أنها وفي فتراتٍ سابقة، لم تعتنق الكفاح المسلّح أصلاً، وفي كثيرٍ من أدبيات الإسلام السياسي، كان يُنظر إليه كانحرافٍ تجدر محاسبته.

إلى جانب العوامل المشار إليها جاءت قاصمة الظهر في وقتٍ حرج، حين مرض عرفات وغاب عن الساحة بالموت.

كانت فتح بل الساحة الفلسطينية كلها، تعوّدت على قيادته ومركزية تأثيره في الحياة السياسية الفلسطينية، لذا حين غاب وانتقلت السلطة بسلاسةٍ إلى محمود عباس، انتقلت فتح والحركة الوطنية الفلسطينية إلى حالة ارتباكٍ قياديٍ فادح، لم تتمكن فتح ولا رئيسها الجديد من معالجته، بفعل الفارق في القدرات القيادية، والفارق كذلك وربما يكون هذا هو الأهم في الحالة السياسية، بين البدايات التي جسّدت قوة وصدقية المشروع، والنهايات التي بدأت في عهد عرفات بالانتفاضة المسلّحة، لتتطور سلباً في عهد أبو مازن إلى ما نحن فيه الآن، حيث وقوع الحالة الفلسطينية في حفرة الانقسام الخطر، وانسداد الآفاق نحو إنقاذ رهان التسوية وكل ما بُني عليه، ليثور سؤال الساعة، كيف هو حال فتح بعد هذا كله؟

الإجابة في الجزء الثاني.

 

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

هل تتحول سورية إلى ساحة مواجهة بين تركيا و"إسرائيل"؟

لم يعد الخلاف بين تركيا و”إسرائيل” يقتصر على التصريحات السياسية أو التباين في المواقف من الحرب في غزة، بل بات يتجه تدريجياً نحو صراع نفوذ داخل الأراضي السورية، حيث...

في ذكرى الثالث والعشرين من يوليو…

في زمنٍ أصبح فيه جلد التاريخ أسهل من صناعته، واغتيال الرموز أسهل من إنجابها، تعود ذكرى الثالث والعشرين من يوليو لتفرض سؤالاً لا يزال يؤرق الوعي العربي: هل نحاكم الرجال بمنطق...

مصطفى معروف سعد... حين يصبح الغياب مرآةً للوطن

ليس من السهل أن نكتب عن الرجال الذين تجاوزوا حدود أسمائهم، وصاروا جزءًا من ذاكرة المدن، وضمير الشعوب، وتاريخ الأوطان. فالكلمات، مهما سمت، تقف مترددة أمام أولئك الذين عاشوا أعمارهم...

كوزو أوكاموتو الرجل الذي أحرج العرب ، الآتي من خلف البحار لنصرة فلسطين، رحل.

عام 1972، كان كوزو أوكاموتو شابًا يابانيًا في ربيع العمر، في الخامسة والعشرين من عمره. ترك بلاده وأهله، والتحق مع اثنين من رفاقه: تسويوشي أوكودايرا ياسويوكي ياسودا وبقدر ما يصعب...

زمن عبد الناصر... زمن الكرامة

كان زمن عبد الناصر أكثر من حقبة سياسية. كان حلماً تحقق، وكان كرامة عربية استعادتها الشعوب بعد قرون من الذل والتبعية. في ذلك الزمن لم يكن العربي يمشي في الدنيا منكس الرأس. كان اسمه...

في ذكرى ثورة 23 يوليو المجيدة.. لماذا لا نفتأ نذكر هذا الحدث الكبير وأثاره الإيجابية رغم كل محاولات المشككين؟

تحل اليوم الذكرى 74 لقيام الثورة المصرية المجيدة (1952) التي قادها مجموعة من الضباط الأحرار الشباب والتي، مهما اختلفت الآراء حولها، لا يستطيع احد ان ينكر انها غيرت معالم الشرق...