الأحد، 14 يونيو 2026
بيروت
21°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

عندما ينسحب الفاتيكان من مسرح «السلام» الدولي

رفض الكرسي الرسولي المشاركة في مؤتمر السلام الذي دعي إليه ليس تفصيلًا بروتوكوليًا عابرًا، بل موقفٌ سياسيّ وأخلاقيّ مدروس يحمل دلالات تتجاوز حدود المؤتمر نفسه. فالفاتيكان، بما يمثّله من مرجعية روحية عالمية وثقلٍ دبلوماسيّ متراكم، لا يتعامل مع مبادرات من هذا النوع بمنطق المجاملة، بل بمنطق المعايير. وعندما يختار الغياب، فإنّه يوجّه رسالة صريحة مفادها أنّ الطرح المطروح لا يستوفي شروط السلام العادل كما يراها.

هذا الرفض يعني عمليًا سحب الغطاء المعنوي عن المبادرة. فوجود الفاتيكان في أي مؤتمر دولي يمنح الحدث شرعية أخلاقية ومصداقية إنسانية ويعزّز الثقة الشعبية به، أما غيابه فيتركه مكشوفًا أمام الرأي العام العالمي ويضعه تحت مجهر النقد السياسي والإعلامي. إنّ السلام الذي لا يقوم على العدالة، ولا يراعي حقوق جميع الأطراف، ولا يُبنى على التوازن والإنصاف، يتحوّل في نظر المرجعيات الأخلاقية الكبرى إلى مجرّد تسوية ظرفية أو ترتيب مصالح.

الرسالة الموجّهة إلى الجهة الراعية للمؤتمر ،واضحة في مضمونها وإن لم تُصَغ ببيان صدامي. السلام لا يُصنع بالضغط، ولا يُفرَض بقوة النفوذ، ولا يُختزل في اتفاقات تُوقَّع تحت عنوان الإنجاز السياسي. إنّ أي مقاربة تتجاهل البعد الإنساني، أو تسعى إلى تثبيت وقائع قائمة من دون معالجة جذور النزاع، إنما تؤسس لأزمة مؤجّلة لا لحلّ دائم. من هنا يبدو الموقف الفاتيكاني اعتراضًا على نمطٍ متزايد في السياسة الدولية، حيث تُقدَّم الصفقات بوصفها حلولًا، ويُسوَّق الاستقرار بوصفه بديلًا عن العدالة.

انعكاسات هذا القرار لا تقف عند حدود الصورة الرمزية. فالفاتيكان يمتلك شبكة علاقات واسعة ،وتأثيرًا معنويًا عميقًا، خصوصًا في أوروبا والعالم الغربي، ما يجعل موقفه عنصرًا مؤثرًا في إعادة تقييم بعض الحكومات لمقاربتها. وعندما تتراجع الشرعية الأخلاقية عن مبادرة ما، يتراجع معها جزء من زخمها السياسي، مهما بلغت قوة الجهة الداعية إليها.

إنّ هذا الرفض لا يمكن فهمه كرفضٍ للسلام، بل كرفضٍ لصيغة معيّنة من “السلام السياسي” الذي يتقدّم فيه منطق القوة على منطق الحق. إنه تذكير بأنّ السلام الحقيقي لا يُقاس بسرعة الإعلان عنه، بل بقدرته على الصمود، ولا يُبنى على موازين النفوذ وحدها، بل على الاعتراف المتبادل والكرامة الإنسانية. وفي زمنٍ تتكاثر فيه المؤتمرات وتتناقص فيه العدالة، يبدو الموقف الفاتيكاني أشبه بإنذارٍ أخلاقي للنظام الدولي، بأنّ السياسة إن فقدت بعدها القيمي تحوّلت إلى إدارة باردة للصراعات لا إلى حلٍّ لها.

إنّ ما جرى ليس خلافًا تقنيًا حول جدول أعمال، بل تعبير عن أزمة أعمق في مفهوم السلام ذاته. فحين تغيب العدالة، يصبح الاتفاق هشًّا، وحين يُهمَّش الإنسان، يفقد السلام معناه. وفي هذا السياق، يتحوّل الامتناع عن المشاركة إلى موقف دفاعي عن جوهر السلام، لا تعطيلًا له، وإلى تأكيدٍ بأنّ الشرعية الأخلاقية تظل عنصرًا لا غنى عنه في أي نظام دولي يسعى إلى الاستقرار الحقيقي.

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

حين يتحول الزواج إلى مشروع استثماري!

في كل مرة تُطرح فيها قضية تأخر سن الزواج في مصر، تتجه الأنظار مباشرة إلى الظروف الاقتصادية وارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين. لا شك أن هذه عوامل حقيقية ومؤثرة، لكن...

المونديال ليس للأغنياء فقط

في معظم دول العالم، تُعتبر الرياضة حقاً شعبياً ومساحةً جامعةً تلتقي فيها مختلف الفئات الاجتماعية حول فرحة واحدة. أما في لبنان، فقد أصبح حتى هذا الحق البسيط رهينة الأزمات وسوء...

حرب المذاهب على المذاهب

أخطر ما نعانيه في الحرب ، هي حرب التضليل والتخوين, وحرب المذاهب على المذاهب . تعالوا ، نصدّق مثلاً أنّ هناك مخططاً لاستئصال الطائفة الشيعية ,شبيهاً بما قامت به سلطة المماليك في...

الجولان المحتلة وحزب الجمهورية

في ذكرى عدوان الخامس من حزيران 1967 قدم حزب الجمهورية في سوريا وهو حزب (قيد التأسيس) رؤيته لقضية الجولان السورية المحتلة، وجعلها في إطار الأسئلة التي تواجه الدولة السورية الجديدة....

ما تريده إسرائيل: جنوب بدون شيعه!

التقيت منذ أيام، في منزل سفير أجنبي صديق، زميلاً صحافياً فرنسياً، نشأت بينه وبيني علاقة ود واحترام زمن كنت فيه المسؤول الإعلامي في رئاسة الحكومة وكان هو مراسل صحيفة...

حماية سيادة الدول العربية في ضوء القانون الدولي:‏ من بيانات الادانة الى آليات العمل الجماعي والتكامل الاقليمي

‏ في ظلّ التعديات الأمنية والعسكرية المتكررة التي تتعرض لها بعض الدول العربية، وما ‏يرافقها من انتهاكات لسيادتها الوطنية ووحدة أراضيها واستقلالها السياسي، تتجدد المواقف العربية...