السبت، 13 يونيو 2026
بيروت
25°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

زيارة من قزوين في إيران الى كربلاء في العراق عبر رحلة على الجمال

كانت العير تمضي في صخب وقائدها ينادي في الأمام :

كل من يرغب بكربلاء ليبدأ باسم الله …

وكل من ينوي صحبتنا ليبدأ باسم الله ، أجاب آخر :

ليهنأ كل من يرغب بكربلاء ” وليهنأ كل من ينوي صحبتنا … عاد الأول ينادي :

أي …. كربلاء التي يصحو فيها المرء … فلا زالت صرخة زينب يتردد صداها … عاد الثاني ينادي مرة ثانية :

أي  …كربلاء ، ليجعله الله من نصيبي يا أعزائي ، ويجعلني الله فداءً للملك الغريب .

هز القائد الأول رايته ، ونادى بصوت مرتفع :

” ليقطع لسان كل من لا يقول هذه الكلمات !..

أي لا يصلي على حبيب الله خاتم الأنبياء ، وعلى ذرية علي بن أبي طالب الإحدى عشرة ..

قسماً بوجوههم القمرية لتصلوا عليهم فرداً فرداً ” ..

وفي نهاية الشعر صدح جميع الزوار معاً بالصلاة على النبي وآله .. وبدت القبة الذهبية الجليلة بمناراتها البديعة ، وبدت معها قرينتها الأخرى القبة الزرقاء ، كانت تبدو مثل رقعة ناشزة وسط البيوت الطينية … قبيل الغروب دخلت العير الى شارع كانت على جانبيه ثمة جدران متهدمة ودكاكين صغيرة .

وقع هناك زحام مهيب ، كانت العرب الجفاة بوجوههم الغبية معتمرين الطرابيش على رؤوسهم ، وبسيماء ماكرة تحت العمامة ، وبلحى وأظافر مخصبة بالحناء ، ورؤوس حليقة يسبحون ويتجولون بنعلين وعباءة وسروال ، يتحدثون باللغة العربية ، ويهذرمون باللغة التركية ، أو تخرج العربية من سقف حلوقهم أو من أمعائهم ، وتتصاعد أصواتهم نحو السماء ، ونساء العرب بوجوه موسومة قذرة وعيون بلون الفحم ، كن قد وضعن حلقات في أنوفهن ، وكانت إحداهن قد ألقمت ثديها الأسمر حتى منتصفه في فم رضيع قذر تحتضنه .

كان هذا الحشد يجلب الزبائن بشتى الطرق أحدهم ينوح وآخر يضرب صدره وثالث يبيع الخواتم والمسابح والأكفان المباركة ، ورابع يطرد الجان وخامس يكتب الأحجية ، وسادس يؤجر البيوت ، واليهود ذوي القفطان الطويل يشترون الذهب والحلي من المسافرين ، وكان يجلس أمام مقهى ، عربي واضعاً أصبعه في أنفه ، وبيده الأخرى يخرج وسخ ما بين أصابع قدمه وقد كسا الذباب وجهه ويطلع القمل من رأسه .

حين توقفت العير ، هرع الحاج رمضان والسيد حسين وساعدا كلين هانم وعزيزة آغا ، وأنزلاهما من الهودج ، ثم هجم حشد غفير على المسافرين ، وفي هذه الأثناء ضاعت عزيزة آغا بين هذا الجمع ، ومهما بحثوا عنها كان ذلك بلا جدوى .. وفي النهاية بعدما أجّرت كلين هانم وحسين آفا والحاج رمضان حجرة طينية بسبع روبيات في الليلة ، ثم ذهبوا للبحث عن عزيزة آغا مرة ثانية ولم يحصلوا على أثر لها وكان الليل قد حل ، وقد خلا صحن المقام قليلاً فدخلت كلين هانم الى الحرم للمرة التاسعة ، ولاحظت حشد من النساء ورجال الدين قد تحلقوا حول امرأة ملتصقة بقفل الضريح وتقبله وتصيح :

يا حبيبي أيها الإمام الحسين ، أغثني ! تحت القبر وفي اليوم الذي يستمر خمسين ألف سنة ، وحين تغور كل العيون في محاجرها ، يالمصيبتي ماذا سأفعل حينها ؟ أدركني ! أدركني ! التوبة ، التوبة إني أذنبت فاغفر لي ! ” … ومهما يسألوها عما حدث ، لم تكن لتجيب ، وفي النهاية قالت بعد إلحاح : ” لقد فعلت أمراً ، وأخشى أن لا يسامحني سيد الشهداء”  كانت تردد تلك الجملة وينهمر سيل من الدموع من عينيها ، فعرفت كلين هانم صوت عزيزة آغا فتقدمت وجذبت يدها واصطحبتها الى الصحن ، واخذتها الى البيت بمساعدة السيد حسين .

وتجمع الناس حولها وبعدما اعطوها كوبين من الشاي المحلى وأعدوا لها نرجيلة ، اشترطت عزيزة آغا أن يخرج السيد حسين ابن ضرتها من الغرفة حتى تروي قصتها ، وحين خرج شدت عزيزة آغا النرجيلة وبدأت تقول :

يا عزيزتي كلين هانم ، تعلمين أني عندما ذهبت الى بيت زوجي المرحوم المغفور له ” كدا علي ” ، عشت معه ثلاث سنوات عزيزة متنعمة ومكرمة ، وكان كدا علي يعبدني ويعاملني كالملكة ، ولكن في هذه المدة لم أحبل ومن أجل ذلك ألح عليّ زوجي : ” والله أريد صبيا ” وكان كل ليلة يجلس بجواري قائلاً : ” ماذا أصنع بسوء الحظ هذا ؟ أنا عقيم ” مهما تعالجت ودعوت لم أنجب في النهاية .

حتى أتاني كدا علي ذات ليلة وبكى وقال : ” إن رضيتي فسأتزوج بنت متعة من أجل أن تقوم بخدمة البيت ، وبعدما أحصل على الطفل سأطلقها .. وأنتِ تقومين بتربية الطفل كأنه ابنك ” وأنا انخدعت بكلام المرحوم وقلت : ” وما العيب في ذلك أنا سأتولى الأمر بنفسي ” وفي غد ذلك اليوم التحفت بالعباءة وذهبت الى خديجة بنت حسن اللبان التي كانت قبيحة سوداء ومصابة بالجدري لأخطبها لزوجي  ….. يتبع

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

المونديال ليس للأغنياء فقط

في معظم دول العالم، تُعتبر الرياضة حقاً شعبياً ومساحةً جامعةً تلتقي فيها مختلف الفئات الاجتماعية حول فرحة واحدة. أما في لبنان، فقد أصبح حتى هذا الحق البسيط رهينة الأزمات وسوء...

حرب المذاهب على المذاهب

أخطر ما نعانيه في الحرب ، هي حرب التضليل والتخوين, وحرب المذاهب على المذاهب . تعالوا ، نصدّق مثلاً أنّ هناك مخططاً لاستئصال الطائفة الشيعية ,شبيهاً بما قامت به سلطة المماليك في...

الجولان المحتلة وحزب الجمهورية

في ذكرى عدوان الخامس من حزيران 1967 قدم حزب الجمهورية في سوريا وهو حزب (قيد التأسيس) رؤيته لقضية الجولان السورية المحتلة، وجعلها في إطار الأسئلة التي تواجه الدولة السورية الجديدة....

ما تريده إسرائيل: جنوب بدون شيعه!

التقيت منذ أيام، في منزل سفير أجنبي صديق، زميلاً صحافياً فرنسياً، نشأت بينه وبيني علاقة ود واحترام زمن كنت فيه المسؤول الإعلامي في رئاسة الحكومة وكان هو مراسل صحيفة...

حماية سيادة الدول العربية في ضوء القانون الدولي:‏ من بيانات الادانة الى آليات العمل الجماعي والتكامل الاقليمي

‏ في ظلّ التعديات الأمنية والعسكرية المتكررة التي تتعرض لها بعض الدول العربية، وما ‏يرافقها من انتهاكات لسيادتها الوطنية ووحدة أراضيها واستقلالها السياسي، تتجدد المواقف العربية...

بين هدنةٍ على الورق وتصعيدٍ في الميدان

في الوقت الذي اعتقد فيه كثيرون أن الاتفاقات الأخيرة ستفتح باب التهدئة بين لبنان وإسرائيل، جاءت التطورات الميدانية لتؤكد أن المنطقة لا تزال بعيدة عن الاستقرار الحقيقي. فالهدنة التي...