لا تُقرع طبول الحرب في الشرق الأوسط فجأة، بل تبدأ كهمسٍ ثقيلٍ يشبه الإنذار الأخير ثم تتحول إلى واقعٍ لا يمكن تجاهله. في هذه اللحظة، تبدو المنطقة وكأنها تقف على حافة انفجارٍ كبير، حيث تتكاثر الأسئلة أكثر مما تتوافر الإجابات. الحرب التي تتشكل ملامحها بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة، وإيران من جهة أخرى، لم تعد مجرد احتمالٍ نظري، بل أصبحت واقعاً ضاغطاً يفرض نفسه على يوميات الناس، وخصوصاً في لبنان، حيث اعتاد هذا البلد أن يكون ساحةً لصراعات الآخرين.
إلى أين تذهب هذه الحرب؟ وهل نحن أمام تصعيدٍ شامل أم أمام جولةٍ محسوبة السقوف أم التهدئة المنتظرة بين يوم وآخر. من ناحية ، التصعيد العسكري والتهديدات المتبادلة، ومن ناحية أخرى، تسريبات عن مفاوضات تجري في الظل، كأن الجميع يعلم أن الانفجار الكبير مكلف إلى حدٍ لا يمكن تحمّله. تأجيل القرارات الدولية، والتردد في فتح جبهات واسعة، يوحيان بأن هناك من لا يزال يحاول شراء الوقت، أو ربما البحث عن مخرجٍ يحفظ ماء الوجه للجميع.
في لبنان، المشهد أكثر إيلاماً. قرى تقرر البقاء في أرضها رغم الخطر، لا عن تهور، بل عن قناعةٍ بأن الأرض ليست خياراً بل هوية. هناك، لا تُقاس الأمور بحسابات السياسة فقط، بل بمعادلة أعمق: البقاء أو الفقدان. هذه القرى تختصر حكاية لبنان كلها؛ بلدٌ يرفض المغادرة رغم كل ما يدفعه إلى الرحيل.
القلق الأكبر ليس فقط مما يحدث الآن، بل مما قد يحدث لاحقاً. هناك من يقول إن الحرب في لبنان لم تبدأ بعد، وكأن ما نعيشه هو مجرد تمهيد. هذا الإحساس وحده كافٍ ليجعل الخوف مقيماً في التفاصيل اليومية: في الطرقات، في البيوت، وفي عيون الناس التي تبحث عن أي إشارة طمأنينة.
أما الخليج، الذي دخل في قلب التوتر، فلا يزال حتى اللحظة يحاول تجنّب الانخراط المباشر، مكتفياً بردود دفاعية. وهذا بحد ذاته يعكس إدراكاً جماعياً بأن توسيع رقعة الحرب سيجر المنطقة كلها إلى سيناريو لا يمكن السيطرة عليه.
في الخلفية، تتردد أخبار عن مهَلٍ وتهديدات، عن إنذارات أخيرة، وعن ساعات حاسمة، لكن التجارب السابقة علّمتنا أن هذه اللحظات قد تكون أخطر ما فيها هو غموضها. الحرب لا تبدأ دائماً بقرار واضح، بل أحياناً بانزلاقٍ تدريجي لا ينتبه إليه أحد إلا بعد فوات الأوان.
وسط كل ذلك، يبقى السؤال اللبناني الأعمق: متى يرتاح هذا البلد؟ متى يُسمح له أن يعيش لنفسه، لا كساحةٍ ولا كرسالةٍ ولا كورقةٍ في مفاوضات الآخرين؟ لقد دفع لبنان أثماناً بشرية ومادية تفوق قدرته على الاحتمال، ومع ذلك يُطلب منه دائماً المزيد من الصبر.
ما يريده اللبنانيون ليس كثيراً: دولة تحميهم، قانون يُطبق، وحياد عن صراعات لا ناقة لهم فيها ولا جمل. يريدون أن تُحل القضايا الكبرى بين أصحابها، لا على أرضهم.
وفي عيد الفصح، تتسلل فكرة “القيامة” إلى الوجدان اللبناني. ليست مجرد مناسبة دينية، بل رمزٌ لحلمٍ متكرر: أن ينهض هذا البلد من أزماته، كما فعل مراراً في تاريخه. لكن الفرق هذه المرة أن القيامة لم تعد مطلباً رمزياً، بل حاجة وجودية.
هل قيامة لبنان باتت قريبة؟
ربما لا تأتي الأعياد وحدها لتقودها، ولا تتحقق بمجرد الأماني.
لكن الطريق يبدأ حين يُرفع عن لبنان عبء الحروب المفروضة عليه، وحين يُمنح حرية تقرير مصيره بنفسه.
حتى ذلك الحين، سيبقى لبنان واقفاً على الحد الفاصل بين الانهيار والأمل…
ينتظر فجره، مهما طال الليل.


