في زمنٍ تتكاثر فيه الجراح على جسد الوطن، يغدو التخوين رصاصة تُطلق على ما تبقّى من وحدته، وجريمةً تُرتكب بحق لبنان قبل أن تُرتكب بحق الرجال.
ليس كلّ من خالفنا الرأي خان. وليس كلّ من قرأ العاصفة من نافذةٍ أخرى باع الوطن أو تآمر عليه. مؤلمٌ أن تُلقى تُهم الخيانة على عواهنها في وجوه رجالٍ عُرفوا وطنيين وعروبيين أبًا عن جد، حملوا الدولة في ضمائرهم وقضايا الأمة في وجدانهم، لمجرد أن اجتهادًا سياسيًا أو موقفًا في لحظةٍ عصيبة لم يوافق هوى هذا الفريق أو ذاك.
والأشد خطرًا أن تتحول هذه اللغة إلى وباءٍ يتسرّب من المنابر إلى الشوارع، ومن الشوارع إلى فضاءات التواصل، فيوقظ الغرائز النائمة ويستحضر العصبيات الدفينة ويزرع بين اللبنانيين ما عجزت الحروب عن زرعه. من حق كل لبناني أن يقول ما يراه حقًا، وأن يتخذ الموقف الذي يمليه عليه ضميره، ما دام لا يطعن وحدة وطنه ولا يهدد وجوده ولا يفرّط بمستقبله.
كفى استحضارًا لثاراتٍ أكل عليها التاريخ وشرب، وكفى نفخًا في رماد أحقادٍ تجاوزتها الأمم وبقي البعض أسيرها. نسمع من يتحدث عن ثأرٍ عمره أربعة عشر قرنًا، وكأن لبنان المُنهك يحتمل أوزار قرونٍ إضافية من الانقسام. فليدلّونا: ثأرٌ لمن؟ على من؟ ولمصلحة من؟
كفى اتهامًا للرؤساء والزعماء بالخيانة فيما يجلس المتّهِمون والمتّهَمون إلى الطاولة ذاتها حين تدعو الحاجة وتفرض السياسة حساباتها. كفى جحودًا بحق دولٍ عربية لم تزل تسهر على إنقاذ لبنان من نار حربٍ لا قدرة له على احتمال لهيبها. فلبنان عربيّ الهوية والانتماء، وعمقه الطبيعيّ عربيّ، وسوريا كانت وستبقى بوابة شرقنا إلى أشقائنا العرب.
والمفارقة التي تستوقف العقول أن بعض من يرفعون اليوم رايات الدفاع عن شخصيات سياسية بعينها، هم أنفسهم الذين ذاقوا مرارة الإقصاء وقسوة التعاطي السياسي سنواتٍ طويلة، لكن السياسة عند البعض تبدّل الذاكرة قبل أن تبدّل المواقف.
أما اليوم، ولبنان يستظلّ بحربٍ كارثية وتداعياتٍ ثقيلة، فإن الأولوية ليست لتبادل الاتهامات ولا لتعداد الأحقاد، بل لحماية ما تبقّى من الوطن، لعودة الأهالي إلى بيوتهم، ولانسحاب الاحتلال الإسرائيلي، ولإطلاق ورشة الإعمار، ولمعالجة الجراح الاقتصادية والاجتماعية التي خلّفتها المآسي.
لبنان لا ينقذه الثأر، ولا يبنيه الانتقام، ولا يحفظه الشارع الغاضب. لبنان تنقذه الدولة. يحميه الحوار، وتصونه حكمة العقل حين يسمو فوق الانفعال. لأن الوطن، في نهاية المطاف، لا قيام له إلا بجميع أبنائه.


