على خطى قوانين الإعلام في دول تحكمها أنظمة ديكتاتورية ، أقرّ مجلس النواب اللبناني قانون إعلام كمّ الأفواه على عجل، والعادة أن قوانين العار تُقرّ إما في عتمة ليل، وإما في عجالة الدقائق الأخيرة.
إذن، أُقرّ القانون الذي أحالته لجنة الإعلام النيابية، والذي سارعت دول إلى الترحيب به، وكأنها كانت حاضرة في لجنة الصياغة والتعديل.
في ظاهره قانون لتنظيم الإعلام، أما في حشاياه وخباياه وتفاصيله، فهو، قانون إعلام لزوم مرحلة تطويق كل ما يعادي العدو الإسرائيلي، وإحكام القبضة على مساحة إعلامية بقيت، على الرغم من كل شيء، عصية على الاحتواء الكامل.
والغريب أن هذا القانون أُحيل من لجنة الإعلام النيابية، التي يُفترض أن فيها من يمثلون قوى سياسية ترفع راية حماية المقاومة وبيئتها، ليأتي النص كاشفًا عن عجز وتقصير يبلغان حدّ إثارة الشبهة والتساؤل: كيف مرّت المواد التي تمس حرية الإعلام الإلكتروني؟ وأين كان المعترضون؟ وهل جرى تقدير النتائج التي ستترتب على أصحاب المواقع الصغيرة والمستقلة؟
ففي الوقت الذي يعاني فيه إعلام المقاومة من غيبوبة واضحة، كانت المواقع الإلكترونية وصفحات الإعلام البديل تسد جزءًا كبيرًا من هذا الفراغ، وتساهم في تشكيل رأي عام وخلق رافعة إعلامية بديلة، وكل ذلك بمجهودات ذاتية يبذلها جنود مجهولون، لا يملكون مؤسسات ضخمة ولا ميزانيات مفتوحة.
ثم أتى قانون الإعلام ليضع هؤلاء أمام شروط والتزامات قد لا يستطيعون الصمود أمامها إلا من تُفتح لهم أكياس الدراهم والريالات.
ولكي لا يبقى الكلام في إطار الاتهام السياسي، لا بد من التوقف عند مواد القانون نفسها، وسؤال أصحاب الاختصاص عن انعكاساتها الفعلية: ما الذي فُرض على المواقع الإلكترونية؟ ما كلفة الترخيص أو التسجيل؟ ما العقوبات؟ وما حدود المسؤولية القانونية؟ وهل يستطيع موقع صغير قائم على جهود فردية أن يستوفي الشروط نفسها التي تستطيع مؤسسة إعلامية ممولة بملايين الدولارات استيفاءها؟
هنا تكمن المسألة.
فحرية الإعلام لا تُقاس فقط بالنص الذي يقول إن الصحافي حر، بل كذلك بقدرته الفعلية على ممارسة هذه الحرية من دون أن يوضع أمام منظومة من الشروط والأعباء والعقوبات التي تجعل الاستمرار امتيازًا للقادر ماليًا.
وإذا كان الهدف الحقيقي هو تنظيم القطاع الإعلامي، فالتنظيم يجب أن يحمي الإعلام من الفوضى من دون أن يحوّل الحرية إلى رخصة لا يملك ثمنها إلا أصحاب المال والنفوذ.
أما لجنة الإعلام النيابية، فلا يكفي أن تقول إن القانون أفضل مما كان مطروحًا، أو إنها نجحت في تعديل هذه المادة أو تلك. المطلوب منها أن تجيب بوضوح: هل يستطيع صاحب موقع إلكتروني صغير، يعمل بإمكاناته الذاتية، أن يستمر بعد هذا القانون كما كان قبله؟
إن كانت الإجابة نعم، فلتشرح للرأي العام كيف ؟
وإن كانت الإجابة لا، فالسؤال يصبح أكبر من مجرد تقصير تشريعي: لمن يُترك الفضاء الإعلامي بعد إخراج الأصوات الصغيرة منه؟ ومن المستفيد من أن يصبح الإعلام حكرًا على من يملك المال والقدرة على استيفاء الشروط؟
هذه الأسئلة هي التي يجب أن تجيب عنها لجنة الإعلام والنواب الذين رفعوا أيديهم موافقين، لأن القانون لا يُحاكم بالنوايا المعلنة، بل بنتائجه.
والنتيجة التي ينبغي الحذر منها هي أن نستيقظ يومًا لنجد أن الأصوات التي كانت تقاتل بالكلمة قد اختفت واحدة تلو الأخرى، لا لأنها هُزمت في معركة الرأي، بل لأنها لم تعد تملك ثمن البقاء في الميدان.


