الأحد، 13 سبتمبر 2026
بيروت
32°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

لماذا لم تطلُبْ "إسرائيلُ "ما تُطالِبُ به اليوم؟

لبنانُ اليومَ يقفُ على حافّةِ مرحلةٍ حرِجةٍ لا تُشبِهُ أيًّا من الأزمنةِ السابقة؛ مرحلةٍ تتقاطعُ فيها الضغوطُ الدوليّةُ مع الانقساماتِ الداخليّة، فيما تبدو الدولةُ عاجزةً عن حَسْمِ الملفّاتِ الكبرى التي تراكمت فوقَها خلالَ سنواتٍ طويلة. التحذيراتُ الصادرةُ من العواصمِ المؤثِّرة، وما يُنقَل خلفَ الأبوابِ الدبلوماسيّةِ المغلقة، يُظهِرُ بوضوحٍ أنّ عدواناً كبيراً أو تطوّرًا إقليميًّا خطيرًا قد يحدُثُ في أيّ وقتٍ قريب، وأنّ لبنانَ مُرشَّحٌ لأن يكونَ في قلبِ هذا التغيُّير إذا استمرّ الشَّلَلُ السياسيّ، والفراغُ المؤسّساتيّ، وغيابُ القرارِ الوطنيِّ الواحِد.
لقد عشنا طوالَ السنواتِ الماضية، قبلَ حربِ الأسناد، ضمنَ معادلةٍ ثابتةٍ لم تتغيَّر كثيرًا، إذ لم يكن الداخلُ اللبنانيُّ مصدرَ توتّرٍ إقليميٍّ مباشر، ولم تكن القوى الدوليّةُ تُلوِّحُ بإجراءاتٍ أو ضغوطٍ حادّةٍ على البلاد. ومع ذلك، لم نشهد مطالباتٍ جدّيّةً من الولاياتِ المتحدةِ أو إسرائيلَ تجاهَ الملفّاتِ الحسّاسة، ولم يكن هناك إصرارٌ على فتحِها أو دفْعِها إلى واجهةِ الأحداث. أمّا اليوم، فالواقعُ مُختلِف؛ فهناك ما تحرَّك في العُمق، وما تبدَّل في الحساباتِ الدوليّةِ والإقليميّة، وما جعل لبنانَ مرّةً أخرى في دائرةِ الاهتمام، لا من موقعِ قوّةٍ أو مُبادرة، بل من موقعِ هشاشةٍ تُتيحُ للآخرين رسمَ حدودِ اللعبة.
إنّ احتمالَ اندلاعِ مواجهةٍ كُبرى في المنطقةِ لم يعُدْ تحليلًا أو تهويلًا، بل بات واقعًا يقتربُ بسرعةٍ لافتةٍ، إلى درجةٍ أصبح معها السؤالُ الحقيقيّ: «متى، وما حجمُ التأثيرِ الذي سيُصيبُ لبنان؟». فالتوتّراتُ الدوليّةُ تتصاعد، والتجاذباتُ الإقليميّةُ تتعمّق، وكلُّ ذلك يحدثُ فيما الدولةُ اللبنانيةُ غارقةٌ في أزماتها الداخليّة، من رؤية، ومن دون جهازٍ إداريٍّ أو سياسيٍّ قادرٍ على حمايةِ البلاد من تداعياتِ أيّ تطوّرٍ خارجيٍّ كبير.
في الداخل، بلغ الانهيارُ حدَّهُ الأقصى… اقتصادٌ مُترنِّح، وعُملةٌ مُضطربة، ومؤسّساتٌ مُستنزَفة، وبطالةٌ تضربُ الشباب، وفقرٌ ينهشُ المدنَ والقرى. الهجرةُ أصبحت خيارًا جماعيًّا لجيلٍ لم يَعُدْ يرى في وطنِه فُرضةً للحياةِ الكريمة. ومع تآكُلِ قدرةِ الدولةِ على الصمود، بات لبنانُ هشًّا إلى درجةٍ أنّ أيّ أزمةٍ إقليميّةٍ أو ضربةٍ خارجيّةٍ يُمكِنُ أن تهزَّهُ من أساسِه وتُدخِلَهُ في مرحلةٍ طويلةٍ من الفوضى وعدمِ الاستقرار.
وإذا بقيَ الانقسامُ الداخليُّ على حالِه، واستمرّت المؤسّساتُ في دائرةِ العجزِ والتنازُع، فإنّ البلادَ ستدخُلُ مرحلةَ «اللاعودة»: دولةٌ من دون قرار، وشارعٌ من دون ثقة، واقتصادٌ من دون مقوِّمات. وعندما يصبحُ لبنانُ مكشوفًا بالكاملِ أمام أيّ تطوّرٍ خارجيّ، لن يكون بالإمكانِ حمايةُ المجتمع، ولا احتواءُ الخسائر، ولا وقفُ الانهيارِ الذي ينهشُ كلَّ القطاعاتِ من دون استثناء.
المطلوبُ اليومَ قرارٌ وطنيٌّ جريءٌ يُعيدُ للدولةِ هيبتَها، ويُطلِقُ عملَ مؤسّساتِها بقوّةٍ ووضوح، ويمنحُ الجيشَ الصلاحيّاتِ اللازمةَ لضبطِ الأمنِ وتثبيتِ الاستقرار، ويُعيدُ توحيدَ الجهودِ حولَ رؤيةٍ واحدةٍ تمنعُ تشتّتَ القرارِ الداخليِّ وتُعيدُ بناءَ الثقةِ بين المواطنِ ودولتِه. فلا دولةٌ من دون مؤسّساتٍ قادرة، ولا استقرارٌ من دون قيادةٍ مسؤولة، ولا مستقبلٌ من دون قرارٍ مُوحَّد.
إنّ المرحلةَ المقبلةَ لن تَرحمَ أحدًا. وإذا لم تُتَّخَذ خطواتٌ شُجاعةٌ وفعّالةٌ لإعادةِ بناءِ الدولة، فإنّ لبنانَ قد يجدُ نفسَهُ أمام أحداثٍ ستُغيِّرُ صورتَهُ لعقود. إنّ البلادَ اليومَ عند مُفترقٍ مصيريّ، مُفترقٍ يُحدِّد إن كان لبنانُ سيبقى دولةً قادرةً على تقريرِ مصيرِها، أم يتحوَّل إلى ساحةٍ مفتوحةٍ تتلقّى الصدماتِ من كلِّ الاتجاهات.
إنّ التاريخَ لا يرحم… والشعبُ لا يَغفِرُ لمَن يُهدِرُ آخرَ فُرَصِ الإنقاذ.

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

الكيانات الوطنيةالمستحدثة ؛ صنيعة مصالح الدول المنتصرة

لبنان الجبل  و الدولة لبنان هذا، ما عُرِفَ ككيان سياسي موحد قبل إعلانه في 1 / 9/ 1920 ، ولا كانت له حدوده الجغرافية المعروفة والمتعارف عليها، كما يُضَلِّل من يحاول أن يخترع...

ملاحظات على بحث "بناء الدولة في سورية

يوم الخميس الثالث من أيلول / سبتمبر شهدت المكتبة الوطنية بدمشق ندوة حوارية بعنوان: “بناء الدولة في سورية، رؤية استراتيجية لإدارة المرحلة الانتقالية وتحقيق الاستقرار (2026 ـ...

علي الطاهر بداية التوغل وليس نهاية حرب

لم يأتِ تفجير “علي الطاهر” يتيماً، بل على وقع زلزال إقليمي يمتد من طهران إلى صنعاء، ومن غزة إلى بيروت ولا يمكن اختزاله بحادثة أمنية او اعتباره “هزيمة...

"زلزال علي الطاهر"... مسرح نتنياهو الانتخابي وغنائم كاذبه ورسالة المحور كله

مقدمة 1100 طن متفجرات. هزة بقوة 4.2 ريختر. تلة محيت من الخريطة. هذا ما فعلته “إسرائيل” ليلة 10 أيلول 2026 في “علي الطاهر”. نتنياهو أ سماه “إنجاز...

غزة والجنوب اللبناني: جغرافيا واحدة للوجع واختلافات في الحكاية

حين ننظر إلى غزة والجنوب اللبناني على الخريطة، قد لا نجد الكثير مما يجمع بينهما. هنا شريط ساحلي ضيق ومحاصر، وهناك منطقة واسعة من القرى والبلدات والحقول تمتد جنوب لبنان. هنا أكثر...

لندن تصف سياسات نتنياهو بـ "التطهير العرقي"... هل بدأ تفكك التحالف الغربي مع إسرائيل؟

عندما تصدر لندن، عاصمة “وعد بلفور”، حكماً سياسياً وقانونياً على حكومة “إسرائيل” بأنها تمارس “التطهير العرقي” في الضفة، وأنها ترتكب “جرائم...