انعكست آثار التسوية السياسية المسماة ” إتفاقية أوسلو ” على جميع مجالات الحياة الفلسطينية المختلفة، وظهرت أكثر وضوحاً على ” حركة فتح ”
حيث دفعت هذه التسوية بالكثيرين من الرعاع والدهماء، وممن لم يكن لهم تاريخ نضالي عسكري أو سياسي إلى القفز على السطح، والعمل بشكل علني بدون خوف أو وجل من أحد تحت ستارمن الوطنية الزائفة ..!!
وظهرت طبقة جديدة من طحالب الفساد ، والمتسلقين ، والإنتهازيين ، والوصوليين ، والمنتفعين الذين احتلوا مناصب ليسوا أهلاً لها، واعتبروا أنفسهم فوق القانون ، وفوق الضوابط ، وفوق المساءلة والحسابات ، وحجة كل واحد فيهم :
أنه محرر الأوطان وقاهر الأعداء .. !!
كما ظهر طابور خامس من المرجفين و الساقطين و المتساقطين من الرعاع و الدهماء الذين يكنون العداء للمقاومة ، ومن الذين يلطخون ويشوهون تاريخ ” حركة فتح ” النضالي ، ويمسحون دورها ، ويقضون علي مستقبلها ، وجعلوا من ” حركة فــتـح ” تكية لهم و لأبنائهم و أحفادهم ..!!
لا يختلف اثنان على وجود أزمة حقيقية تعصف بـحركة فــتـح ، وخاصة بعد المهزلة التي حاكتها بعض القيادات المتنفذة في الحـركة ، و كان من نتائجها فصل و طرد العديد من قادة و كوادر و عناصر الحـركة ونواب في المجلس التشريعي في حملة مستهجنة و غير مسبوقة تحت ذريعة ” مناهضتهم للسياسة العامة لدولة فلسطين ” ، و اتهامهم بتهمة ” التجـنح ” في أسلوب غريب عن عادات و تقاليد شعبنا و ثورته في محاربة الناس بقطع أرزاقهم ، و غريب جدا عن أخلاقيات حـركة فــتـح ــ على الأقل في عهد ياسر عرفات ــ خاصة عندما يكون الحديث عن مناضلين امضوا حياتهم في السجون ، ومدافعين عن الأرض و العرض و المقدسات ، و منهم من هو أخ لشهيد أو شهيدين ، و منهم من يعول عشرة أبناء .!
وليت الأمر قد توقف عند هذا الحد بل تعداه إلى إقصاء قيادات كبيرة و وازنة في الحركة ، و التآمر على البعض الآخر لإقصائه في معركة صراع الخلافة على منصب رئيس السلطة و حركة فتح ، والتي تدور رحاها بين قيادات المقاطعة في رام الله للظفر بالمنصب ، و ما تخللها من شتائم و تخوين و مؤامرات ..!!
لقد شعر الكادر الفتحاوي ــ و خاصة بعد المؤتمر العام للحركة السادس في شهر أغسطس ٢٠٠٩ م ــ أن ” حركة فــتـح ” قد اختزلت في مجموعة ممن قبلوا الدنية ، وقدموا مصالحهم على مصالح شعبهم و أمتهم و عقيدتهم ، و عملوا بموجب توجيهات الأعداء و نصائحهم الأمرالذي أدى إلى ما وصلت إليه الآن ..!!
إن حركات التحرر في العالم لا تسقط بسبب أعدائها فقط ، بل حين تفقد بوصلتها ، وتبتعد عن جماهيرها ، وتسمح للانتهازيين والمتسلقين باختطاف قرارها وتاريخها…!!
وما تزال أمام ” حركة فتح ” فرصة لتنهض من جديد إذا امتلك أبناؤها إرادة التصحيح ، وقدموا مصلحة الوطن والثورة على مصالح الأفراد ومراكز النفوذ ..!!
إن المؤتمر القادم لحركة ” فتح ” لا ينبغي أن يكون مجرد مناسبة تنظيمية لتقاسم المواقع والمناصب ، أو إعادة إنتاج ذات الوجوه التي أوصلت الحركة إلى هذا الواقع المؤلم ، بل يجب أن يكون لحظة مراجعة وطنية وتاريخية شجاعة تعيد الإعتبار لروح الثورة الأولى ، ولدماء الشهداء ، ولتضحيات الأسرى والجرحى الذين حملوا اسم ” فتح ” كعنوان للتحرير لا كجسرٍ للمصالح والإمتيازات ، و محطة جديدة تكرّس حالة الترهل والإنقسام والإبتعاد عن مشروع التحرير الذي انطلقت من أجله الثورة الفلسطينية المعاصرة .


