الأحد، 9 أغسطس 2026
بيروت
33°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

ماذا لو عاد الإمام؟... مشروع الإمام السيد موسى الصدر في مواجهة أزمات الوطن

في كلِّ عام، تعود ذكرى تغييب الإمام السيد موسى الصدر ورفيقيه، فتعود معها أسئلة الوطن التي ما زالت تبحث عن إجابات. أسئلةٌ تتعلق بالدولة والإنسان والعدالة والإنماء، وتزداد حضورًا كلما اشتدت الأزمات التي يعيشها لبنان. فماذا لو عاد الإمام اليوم، بعد ما يقارب نصف قرن من الغياب؟

سيجد وطنًا أثقلته الأزمات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، ومواطنًا يبحث عن أبسط حقوقه، ودولةً تتعثر في أداء مسؤولياتها، فيما تستمر الانقسامات في استنزاف طاقات اللبنانيين وإضعاف ثقتهم بوطنهم.

وسيرى الجنوب ما زال يتحمّل أعباء المواجهة مع العدو الإسرائيلي، ويدفع ثمنًا باهظًا دفاعًا عن الأرض والسيادة، وينتظر أهله مزيدًا من الرعاية والإنماء والتعويض العادل عن سنوات طويلة من الاعتداءات والتضحيات.
ثم يتجه إلى البقاع، فيجد أرضًا غنيّة بخيراتها، وأهلًا عُرفوا بالوفاء والصمود، وما زالوا يطالبون بحقهم في التنمية، وفرص العمل، والرعاية الصحية، والتعليم، والبنية التحتية التي تحفظ كرامة الإنسان، وتمنحه أسباب البقاء في أرضه.

كان الإمام الصدر يرى أن بناء الدولة يبدأ من الإنسان، وأن الجنوب والبقاع، كما سائر المناطق اللبنانية، يستحقون عدالةً في الإنماء وحضورًا حقيقيًا للدولة، لأن الحرمان يولّد الأزمات، والعدالة تصنع الاستقرار، والدولة تترسخ بثقة مواطنيها.

ولهذا حمل مشروعًا وطنيًا جعل كرامة الإنسان أساسًا لكل إصلاح، وربط قوة الوطن بمؤسساته، وعدالة قوانينه، وقدرته على احتضان جميع أبنائه. ولعل أول سؤال سيطرحه سيكون: ماذا فعلتم بلبنان؟

سيبحث عن المواطن الذي أراده حرًا كريمًا، قادرًا على العمل والتعليم وتأسيس أسرته، واثقًا بأن دولته تحمي حقوقه، وتصون كرامته، وتساوي بين جميع أبنائها.

وسيجد أن كثيرًا من المبادئ التي نادى بها ما زالت تنتظر التطبيق؛ دولةً عادلة، وإنماءً متوازنًا، ومواطنةً حقيقية، وشراكةً وطنية تُقدّم المصلحة العامة على المصالح الضيقة. ولهذا بقيت عبارته الخالدة: “لبنان وطن الإنسان” تختصر مشروعًا وطنيًا متكاملًا، يجعل الإنسان غاية الدولة، ويجعل العدالة طريقها، ويمنح كل منطقة حقها في الرعاية والإنماء.

ثم يدخل المسجد والكنيسة، ويجلس مع المسلمين والمسيحيين، كما اعتاد أن يفعل، ويتحدث إليهم عن وطنٍ يتسع للجميع، وعن شراكةٍ تحمي لبنان من الانقسام، وعن دولةٍ تجمع أبناءها تحت سقف القانون، وتحفظ تنوعهم بوصفه مصدر قوة وإغناء.

وسيؤكد أن قوة لبنان تنبع من وحدة أبنائه، ومن مؤسساتٍ فاعلة، وقضاءٍ عادل، وإدارةٍ نزيهة، وإنماءٍ يشمل كل المناطق، لأن الوطن ينهض حين يشعر المواطن بأن الدولة قريبة منه في حقوقه وهمومه وآماله.

وتبقى ذكرى تغييب الإمام السيد موسى الصدر أكثر من مناسبةٍ لاستذكار شخصية وطنية كبيرة؛ فهي دعوةٌ متجددة إلى مراجعة المسار الذي سلكه لبنان، وإلى استعادة مشروعٍ حمل همَّ الإنسان قبل أي اعتبار، وجعل الدولة العادلة المدخل الطبيعي لحماية الوطن وصون كرامة مواطنيه.

واليوم، تبدو تلك الرؤية أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. فالجنوب يحتاج إلى دولة تواكب تضحياته بالإنماء والإعمار والرعاية، والبقاع ينتظر أن يُرفع عنه الحرمان المزمن، وأن يحظى أهله بحقوقهم في التنمية، وفرص العمل، والخدمات الصحية والتربوية، كما ينتظر كل لبناني أن يشعر بأن دولته تقف إلى جانبه في مختلف الظروف.

ولذلك، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس سؤالًا عن رجلٍ غاب، وإنما عن مشروعٍ ما زال قادرًا على أن يقدّم للبنان طريقًا للخروج من أزماته.
فأيُّ وطنٍ تريدون أن تتركوه لأبنائكم؟ ذلك هو السؤال الذي يختصر رسالة الإمام كلها. وطنٌ تُصان فيه كرامة الإنسان، وتترسخ فيه العدالة، ويصل الإنماء إلى كل منطقة، من الجنوب إلى البقاع، ومن الشمال إلى الجبل وبيروت، ضمن رؤيةٍ وطنية تجعل جميع اللبنانيين شركاء في الحقوق والواجبات.

لقد غاب الإمام الصدر عن الأنظار، وبقي مشروعه حاضرًا في الوجدان الوطني، لأن الأفكار التي تنطلق من الإنسان تبقى حيّة، ولأن الأوطان تحتاج دائمًا إلى رجالٍ يزرعون الأمل أكثر مما يكتفون بوصف الأزمات.
وما يحتاجه لبنان اليوم هو أن يتحول ذلك المشروع إلى ثقافةٍ وطنية، وإلى برنامج عملٍ يجمع اللبنانيين حول الدولة، ويعيد الثقة بمؤسساتها، ويعزز العدالة الاجتماعية، ويرفع الحرمان عن المناطق التي عانت طويلًا من الإهمال، وفي مقدمتها الجنوب والبقاع.

فالوفاء الحقيقي للإمام السيد موسى الصدر لا يقتصر على إحياء ذكراه، وإنما يظهر في استكمال المسيرة التي بدأها، وترسيخ قيم الوحدة الوطنية، والعيش المشترك، والعدالة، والإنماء المتوازن، حتى يصبح لبنان وطنًا يليق بأبنائه، ويجسد الرؤية التي حملها الإمام طوال حياته، وجعلها رسالته في خدمة الإنسان والوطن.

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

التعاون على البِرِّ والتقوى

الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى. قال الله تعالى في القرآن الكريم:{وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان} سورة المائدة. في الآية وصيةٌ جامعةٌ عامةٌ...

أنواع النظافة

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى. قال الله تعالى في القرآن الكريم: {إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين} سورة البقرة . قال الطبري في “تفسيره”: “إن...

احفظ حسناتك ليوم القيامة

الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى. قال الله تعالى في القرآن الكريم:{ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوةٌ كأنه وليٌ حميم وما...

الأخلاء بين الصداقة والعداوة

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى. قال الله تعالى:{ويوم يعضُّ الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلًا يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلانًا خليلًا لقد أضلني عن...

الطلاق ليس مرادفًا للفساد

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى. قال الله تعالى في القرآن الكريم:{إن هذا القرءان يهدي للتي هي أقوم ويبشرُ المؤمنين الذين يعملون الصَّالحات أن لهم أجرًا كبيرًا} سورة...

هكذا يحب لنا الحسين لو كان حيًّا

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى. قال الله تعالى في القرآن الكريم:{وَ قُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَ رَسُولُهُ وَ الْمُؤْمِنُونَ وَ سَتُرَدُّونَ إِلى‏...