السبت، 25 يوليو 2026
بيروت
23°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

مصطفى معروف سعد... حين يصبح الغياب مرآةً للوطن

ليس من السهل أن نكتب عن الرجال الذين تجاوزوا حدود أسمائهم، وصاروا جزءًا من ذاكرة المدن، وضمير الشعوب، وتاريخ الأوطان. فالكلمات، مهما سمت، تقف مترددة أمام أولئك الذين عاشوا أعمارهم مشروعًا للنضال، ورحلوا تاركين خلفهم إرثًا لا يُقاس بعدد السنوات، بل بعمق الأثر الذي غرسوه في وجدان الناس.

في الخامس والعشرين من تموز، لا تستعيد صيدا ذكرى رحيل رجلٍ فحسب، بل تستعيد فصلًا من تاريخها الوطني، وصفحةً من صفحات المقاومة اللبنانية، ووجهًا من وجوه العروبة التي لم تساوم يومًا على فلسطين، ولم تنحنِ أمام الاحتلال، ولم تجعل من السياسة سلعةً في سوق المصالح.

إنها ذكرى رحيل مصطفى معروف سعد… الرجل الذي لم يسعَ إلى أن يكون زعيمًا، فصار رمزًا، ولم يطلب المجد لنفسه، فحمله الناس في قلوبهم، ولم يكتب سيرته بالحبر، بل بخياراته، وبمواقفه، وبالسنوات التي قضاها منحازًا إلى الفقراء والكادحين والمقاومين.

كان ابن صيدا، لكنه حمل همّ لبنان كله. وكان قوميّ الانتماء، لكنه لم يرَ في العروبة شعارًا يُرفع في الخُطب، بل مسؤوليةً تاريخيةً وأخلاقيةً تجاه الإنسان العربي وقضاياه. لذلك بقيت فلسطين تسكن وجدانه كما يسكن البحر ذاكرة مدينته، وبقي يعتبر أن مقاومة الاحتلال ليست خيارًا سياسيًا بين خيارات متعددة، بل حقًا طبيعيًا للشعوب وواجبًا لا يسقط بالتقادم.

في حياته لم يكن يبحث عن الأضواء، بل عن الناس. كان يدرك أن السياسة التي تنفصل عن معاناة المواطن تتحوّل إلى سلطة بلا روح، وأنّ الوطن الذي يُترك فيه الفقير وحيدًا لا يمكن أن يكون وطنًا حرًا. ولهذا ظلّ قريبًا من العمال والصيادين وصغار الكسبة وطلاب الجامعات، يرى في كرامتهم امتدادًا لكرامة الوطن نفسه.

في مساء الواحد والعشرين من كانون الثاني عام 1985، دوّى الانفجار الذي استهدفه في صيدا، محاولَةً لإسكات صوتٍ اختار أن يكون في مواجهة الاحتلال. أُصيب إصابةً بالغة أفقدته بصره، لكن الذين أرادوا أن يُطفئوا نوره اكتشفوا متأخرين أنّ الضوء الحقيقي لا يسكن العينين، بل يسكن الفكرة. وأنّ الإنسان قد يفقد نعمة النظر، لكنه لا يفقد القدرة على الرؤية إذا كانت بصيرته مشدودة إلى الحق.

منذ تلك اللحظة، لم يعد مصطفى معروف سعد مجرد قائد نجا من محاولة اغتيال، بل أصبح رمزًا للإرادة التي لا تنكسر. كان يسير بين الناس بعينين غاب نورهما، لكنّ قلبه ظل يرى وطنًا يستحق أن يُناضل من أجله حتى آخر نبضة. وكأنّ القدر أراد أن يمنحه رؤيةً أعمق، ليرى بعين القلب ما عجزت عنه عيون كثيرين أرهقتهم الحسابات الصغيرة.

وحين رحل في الخامس والعشرين من تموز عام 2002، لم تكن صيدا تودع شخصًا، بل كانت تودع مرحلة كاملة من تاريخها. خرجت المدينة يومها كما تخرج المدن في وداع الكبار، حزينة، لكنها مرفوعة الرأس، لأنها كانت تعرف أن الرجال الذين يرحلون بعد حياةٍ من العطاء لا يغيبون، بل يتحوّلون إلى ضميرٍ يقظ يراقب الأجيال.

واليوم، بعد أربعة وعشرين عامًا، يبدو المشهد اللبناني والعربي أكثر تعقيدًا. حروبٌ لم تنتهِ، وأزماتٌ اقتصادية واجتماعية خانقة، وانقساماتٌ تهدد فكرة الدولة، واحتلالٌ ما زال يمارس عدوانه على فلسطين ولبنان. وفي مثل هذا الزمن، تعود سيرة مصطفى معروف سعد لتطرح سؤالًا كبيرًا: ماذا يبقى من السياسة إذا فقدت أخلاقها؟ وماذا يبقى من الوطن إذا انكسر الإنسان؟

لقد كان يؤمن بأن المقاومة ليست بندقيةً فقط، بل مشروع كرامة، وأن تحرير الأرض لا ينفصل عن تحرير الإنسان من الفقر والحرمان والخوف. كان يرى أن العدالة الاجتماعية ليست بندًا ثانويًا في برنامج سياسي، بل هي الوجه الآخر للاستقلال الوطني، لأن الوطن الذي يعجز عن صون كرامة أبنائه يبقى ناقص السيادة مهما ارتفعت فوقه الرايات.

ولعل أعظم ما تركه مصطفى معروف سعد أنه لم يورّث الناس شعارات، بل قيمًا. ورّثهم شجاعة الموقف، ونظافة الكف، والانحياز إلى البسطاء، والإيمان بأن القيادة تكليف لا امتياز، وأن الزعيم الحقيقي هو الذي يبقى قريبًا من الناس حتى آخر لحظة من حياته.

إنّ الوفاء لمصطفى معروف سعد لا يكون بتكرار اسمه في المناسبات، بل بإحياء المعاني التي عاش من أجلها، أن تبقى صيدا مدينةً للكرامة والانفتاح والمقاومة، وأن يبقى لبنان وطنًا سيدًا حرًا، وأن تبقى فلسطين البوصلة التي لا تضل الطريق مهما تبدلت الأزمنة.

سلامٌ عليك يا أبا معروف…

يوم اخترت أن يكون الوطن أكبر من الذات، والموقف أكبر من المصلحة، والناس أكبر من السلطة.

سلامٌ عليك لأنك أثبتَّ أن الإنسان يستطيع أن يخسر عينيه ولا يخسر رؤيته، وأن يفقد جسده ولا يفقد حضوره، وأن يرحل تاركًا خلفه شعبًا يردّد اسمه كلما احتاج إلى معنى الصمود.

أما الزمن، فإنه يمضي. وأما الرجال الذين صنعوا تاريخهم بالوفاء، فإنهم لا يسكنون المقابر، بل يسكنون ذاكرة الأوطان… وهناك، لا موت، ولا غياب، ولا نهاية.

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

في ذكرى الثالث والعشرين من يوليو…

في زمنٍ أصبح فيه جلد التاريخ أسهل من صناعته، واغتيال الرموز أسهل من إنجابها، تعود ذكرى الثالث والعشرين من يوليو لتفرض سؤالاً لا يزال يؤرق الوعي العربي: هل نحاكم الرجال بمنطق...

كوزو أوكاموتو الرجل الذي أحرج العرب ، الآتي من خلف البحار لنصرة فلسطين، رحل.

عام 1972، كان كوزو أوكاموتو شابًا يابانيًا في ربيع العمر، في الخامسة والعشرين من عمره. ترك بلاده وأهله، والتحق مع اثنين من رفاقه: تسويوشي أوكودايرا ياسويوكي ياسودا وبقدر ما يصعب...

زمن عبد الناصر... زمن الكرامة

كان زمن عبد الناصر أكثر من حقبة سياسية. كان حلماً تحقق، وكان كرامة عربية استعادتها الشعوب بعد قرون من الذل والتبعية. في ذلك الزمن لم يكن العربي يمشي في الدنيا منكس الرأس. كان اسمه...

في ذكرى ثورة 23 يوليو المجيدة.. لماذا لا نفتأ نذكر هذا الحدث الكبير وأثاره الإيجابية رغم كل محاولات المشككين؟

تحل اليوم الذكرى 74 لقيام الثورة المصرية المجيدة (1952) التي قادها مجموعة من الضباط الأحرار الشباب والتي، مهما اختلفت الآراء حولها، لا يستطيع احد ان ينكر انها غيرت معالم الشرق...

23 يوليو يوم في تاريخ الأمة لا مثيل له

في مثل هذا اليوم من عام 1952 عبرت الأمة العربية كلها إلى المستقبل حين تحركت طلائعها في مصر لاستلام السلطة، ولوضع هذا البلد العربي المركزي في مكانه الصحيح، المكان الذي فرضته عليها...

رزان أكرم زعيتر: الاستحواذ “جاب الدب على كرمنا” أمثلة من سوريا والمغرب والأردن

اقرأوا هذا المقال الاستراتيجي ، وتذكروا المناضل والمفكر القومي أكرم زعيتر هذا هو المقال الثاني الذي أكتبه عن هذا الموضوع الهام جداً بعد أن أدركت أن واجب الكلمة يوازي في أهميته...