الإثنين، 9 مارس 2026
بيروت
13°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

نِداءٌ إلى الوعي المسيحيّ، الزعامة لا تُفرَض… بل تُنتَخَب في القلوب قبل الصناديق..

في لحظةٍ مصيريّةٍ من تاريخ لبنان، يصبح الصمت خطيئةً، ويغدو التردّد شراكةً غير مُعلَنةٍ في الانحدار. والمجتمع المسيحيّ، بما يَحمل من إرثٍ وطنيٍّ ودورٍ تأسيسيٍّ، مدعوٌّ اليوم إلى وقفة صدقٍ مع الذات، لا مع الأسماء.
قد يَستغرِبُ البعضُ حين أتناولُ المسيحيَّ أو غيرَهُ من الطوائف، لكنّني، ما دُمتُ أعيشُ في هذا الوطنِ المُثقَلِ بالطائفيّة، أجدُ نفسي أمامَ واجبٍ أخلاقيٍّ وسياسيٍّ لا يمكنُ التهرّبُ منه. فالطائفةُ في لبنان ليست تفصيلاً اجتماعيًّا عابرًا، بل مُكوِّنٌ فاعلٌ في تكوينِ السّلطة، وفي صناعةِ الخوف، وفي هندسةِ الانقسام. إنّ ذِكرَ الطوائفِ هنا لا يأتي من بابِ التمييز أو الاصطفاف، بل من بابِ التشخيصِ الصريحِ لعلّةٍ مزمنةٍ عطّلت قيامَ الدّولة، وحوّلتِ المواطنَ إلى تابعٍ، والحقوقَ إلى مِنَحٍ، والانتماءَ الوطنيَّ إلى شعارٍ هشّ. ومن دون هذا الاعترافِ الواضح، يبقى الخطابُ العامّ أسيرَ الإنكار، وتبقى المعالجةُ مجرّدَ دورانٍ في حلقةٍ مفرغة، لا تُنقذُ وطنًا ولا تُعيدُ كرامة
فكم من شخصٍ حاول أن يتزعّم الصفّ المسيحيّ منذ أيّام الحرب الأهليّة وما بعدها؟
منهم من صعد بفعل روابط القُربى مع أصحاب النفوذٍ والسلاحٍ، ومنهم من حاول فرض نفسه عبر الصفقات والتسويات، ومنهم من ظنّ أنّ الشارع يُشترى، وأنّ الزعامة تُورَّث أو تُفرَض بالأمر الواقع.
لكنّ الحقيقة التي لا يمكن القفز فوقها هي أنّ المجتمع المسيحيّ، بكامله، لم يتقبّلهم. فشلوا لا لأنّهم افتقروا إلى الدعم الخارجيّ، بل لأنّهم افتقروا إلى الشرعيّة الأخلاقيّة والشعبيّة. فانهارت مشاريعهم قبل أن تكتمل زعاماتهم، وسقطوا قبل أن تُختَبَر قدرتهم على القيادة. إذ تبيّن مرارًا أنّ الزعامة التي تُبنى على الصفقات تموت عند أوّل امتحانٍ، وأنّ من يراهن على النفوذ لا يصمد أمام الوعي.
لقد أثبتت التجربة أنّ الشارع المسيحيّ، رغم انقساماته، يملك حسًّا عميقًا في التمييز بين القائد والمدّعي. هو قد يصبر، وقد يساير، لكنّه لا يمنح ثقته كاملةً لمن لا يشبهه ولا يحترم كرامته.
من هنا، فإنّ النداء اليوم ليس بحثًا عن “زعيمٍ مسيحيٍّ” بالمعنى الضيّق، بل عن رجل دولةٍ. الزعيم المسيحيّ الذي ننتظره ليس منغلقًا داخل طائفته، ولا محصورًا بخطابها، بل محبوبًا ومحترمًا من جميع الطوائف، لأنّه صادقٌ، واضحٌ، غير عدائيٍّ، وغير متورّطٍ. رجلٌ يُطمئن شريكه في الوطن قبل أن يُطمئن بيئته، ويُجسِّد بفكره وسلوكه معنى الشراكة الوطنيّة الحقيقيّة.
المرحلة لا تحتمل زعاماتٍ تُدار من خلف الستار، ولا وجوهًا استهلكها الماضي، ولا قياداتٍ تخاف من قول الحقيقة. نحن بحاجةٍ إلى شخصٍ لا يخاف إلّا الخالق، لا يُساوم على الكرامة، ولا يطلب الزعامة مقابل صمتٍ أو تنازلٍ.
أيّها المسيحيّون،
الصحوة اليوم واجبٌ، لا خيارٌ.
اختاروا الرجل المناسب، لا الأكثر ضجيجًا.
اختاروا من يُحِبّه الناس، لا من يُفرَض عليهم.
اختاروا من يَجمع اللبنانيّين حول الدولة، لا من يَحصرهم في المتاريس السياسيّة.
فالزعامة الحقيقيّة لا تُصنَع بالدم، ولا تُشترى بالمال، ولا تُفرَض بالتحالفات. إنّها تُنتَخَب في الضمائر، وتُثبَّت بالفعل، وتدوم بالثقة.
وقبل فَوات الأوان…
اصحوا، واختاروا

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

ترامب فى قبضة الشيطان

على الرغم من المحاولات الإسرائيلية المستميتة لجر دول الخليج لأتون المحرقة، فقد أبدى العرب عقلا، رافضين أن يسمحوا لنتنياهو أن يهنأ بمتابعة دول المنطقة تطحن بعضها بعضًا. قال بعض...

الكويت: القبض على ناشطتين لرفضهما العداون الصهيو- أمريكي على إيران

في ظل تصاعد موجة العدوان الصهيوني الأميركي على المنطقة، تسرّبت أنباء عن اعتقالات تعسفية تستهدف ناشطات وناشطين في #الكويت على خلفية مواقفهن/م السياسية. وعلمت “شريكة ولكن” إنه من...

العدوان على إيران

هلل العملاء والخونة وتوابع الأمريكان واليهود لعدوانهما على إيران ، وظنوا أنهما سينتصران !!! وعاى الرغم من أن إيران ظلت لأربعين عاما تخرب في الوطن العربي ، إلا أنني في هذه الحرب...

الجزء الثالث : أين تكمن منابع الوحشية الإسرائيلية وما هي الجذور الأيديولوجية لها

التقى موسوليني أربع مرات قائد الحركة الصهيونية حاييم وايزمن ووعده بالمساعدة الكاملة في حل المسألة اليهودية ، وفي عام 37 19أعلن النائب الفاشي باول أوفانو أن جميع الشعب الإيطالي...

الشرق الأوسط على خط النار… ولبنان في قلب العاصفة يدفع الثمن مرةً أُخرى.

لم تعد التطورات التي تشهدها المنطقة مجرد توترٍ عابر أو جولة تصعيد يمكن احتواؤها بسرعة. فمنذ السبت 28 شباط، عند اندلاع المواجهة المباشرة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة...

ليسَ إيران… إذن مَن؟ الضَّربةُ الغامضة التي أربكَت المنطقة.

ليسَ من السَّهلِ قراءةُ الأحداثِ في الشَّرقِ الأوسط بمعزلٍ عن تعقيداتِ التَّوازناتِ السِّياسيَّة والعسكريَّة. فحينَ أعلنت بريطانيّا أنَّ إيران ليست الجهةَ التي استهدفت القاعدة...