السبت، 13 يونيو 2026
بيروت
25°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

نِداءٌ إلى الوعي المسيحيّ، الزعامة لا تُفرَض… بل تُنتَخَب في القلوب قبل الصناديق..

في لحظةٍ مصيريّةٍ من تاريخ لبنان، يصبح الصمت خطيئةً، ويغدو التردّد شراكةً غير مُعلَنةٍ في الانحدار. والمجتمع المسيحيّ، بما يَحمل من إرثٍ وطنيٍّ ودورٍ تأسيسيٍّ، مدعوٌّ اليوم إلى وقفة صدقٍ مع الذات، لا مع الأسماء.
قد يَستغرِبُ البعضُ حين أتناولُ المسيحيَّ أو غيرَهُ من الطوائف، لكنّني، ما دُمتُ أعيشُ في هذا الوطنِ المُثقَلِ بالطائفيّة، أجدُ نفسي أمامَ واجبٍ أخلاقيٍّ وسياسيٍّ لا يمكنُ التهرّبُ منه. فالطائفةُ في لبنان ليست تفصيلاً اجتماعيًّا عابرًا، بل مُكوِّنٌ فاعلٌ في تكوينِ السّلطة، وفي صناعةِ الخوف، وفي هندسةِ الانقسام. إنّ ذِكرَ الطوائفِ هنا لا يأتي من بابِ التمييز أو الاصطفاف، بل من بابِ التشخيصِ الصريحِ لعلّةٍ مزمنةٍ عطّلت قيامَ الدّولة، وحوّلتِ المواطنَ إلى تابعٍ، والحقوقَ إلى مِنَحٍ، والانتماءَ الوطنيَّ إلى شعارٍ هشّ. ومن دون هذا الاعترافِ الواضح، يبقى الخطابُ العامّ أسيرَ الإنكار، وتبقى المعالجةُ مجرّدَ دورانٍ في حلقةٍ مفرغة، لا تُنقذُ وطنًا ولا تُعيدُ كرامة
فكم من شخصٍ حاول أن يتزعّم الصفّ المسيحيّ منذ أيّام الحرب الأهليّة وما بعدها؟
منهم من صعد بفعل روابط القُربى مع أصحاب النفوذٍ والسلاحٍ، ومنهم من حاول فرض نفسه عبر الصفقات والتسويات، ومنهم من ظنّ أنّ الشارع يُشترى، وأنّ الزعامة تُورَّث أو تُفرَض بالأمر الواقع.
لكنّ الحقيقة التي لا يمكن القفز فوقها هي أنّ المجتمع المسيحيّ، بكامله، لم يتقبّلهم. فشلوا لا لأنّهم افتقروا إلى الدعم الخارجيّ، بل لأنّهم افتقروا إلى الشرعيّة الأخلاقيّة والشعبيّة. فانهارت مشاريعهم قبل أن تكتمل زعاماتهم، وسقطوا قبل أن تُختَبَر قدرتهم على القيادة. إذ تبيّن مرارًا أنّ الزعامة التي تُبنى على الصفقات تموت عند أوّل امتحانٍ، وأنّ من يراهن على النفوذ لا يصمد أمام الوعي.
لقد أثبتت التجربة أنّ الشارع المسيحيّ، رغم انقساماته، يملك حسًّا عميقًا في التمييز بين القائد والمدّعي. هو قد يصبر، وقد يساير، لكنّه لا يمنح ثقته كاملةً لمن لا يشبهه ولا يحترم كرامته.
من هنا، فإنّ النداء اليوم ليس بحثًا عن “زعيمٍ مسيحيٍّ” بالمعنى الضيّق، بل عن رجل دولةٍ. الزعيم المسيحيّ الذي ننتظره ليس منغلقًا داخل طائفته، ولا محصورًا بخطابها، بل محبوبًا ومحترمًا من جميع الطوائف، لأنّه صادقٌ، واضحٌ، غير عدائيٍّ، وغير متورّطٍ. رجلٌ يُطمئن شريكه في الوطن قبل أن يُطمئن بيئته، ويُجسِّد بفكره وسلوكه معنى الشراكة الوطنيّة الحقيقيّة.
المرحلة لا تحتمل زعاماتٍ تُدار من خلف الستار، ولا وجوهًا استهلكها الماضي، ولا قياداتٍ تخاف من قول الحقيقة. نحن بحاجةٍ إلى شخصٍ لا يخاف إلّا الخالق، لا يُساوم على الكرامة، ولا يطلب الزعامة مقابل صمتٍ أو تنازلٍ.
أيّها المسيحيّون،
الصحوة اليوم واجبٌ، لا خيارٌ.
اختاروا الرجل المناسب، لا الأكثر ضجيجًا.
اختاروا من يُحِبّه الناس، لا من يُفرَض عليهم.
اختاروا من يَجمع اللبنانيّين حول الدولة، لا من يَحصرهم في المتاريس السياسيّة.
فالزعامة الحقيقيّة لا تُصنَع بالدم، ولا تُشترى بالمال، ولا تُفرَض بالتحالفات. إنّها تُنتَخَب في الضمائر، وتُثبَّت بالفعل، وتدوم بالثقة.
وقبل فَوات الأوان…
اصحوا، واختاروا

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

المونديال ليس للأغنياء فقط

في معظم دول العالم، تُعتبر الرياضة حقاً شعبياً ومساحةً جامعةً تلتقي فيها مختلف الفئات الاجتماعية حول فرحة واحدة. أما في لبنان، فقد أصبح حتى هذا الحق البسيط رهينة الأزمات وسوء...

حرب المذاهب على المذاهب

أخطر ما نعانيه في الحرب ، هي حرب التضليل والتخوين, وحرب المذاهب على المذاهب . تعالوا ، نصدّق مثلاً أنّ هناك مخططاً لاستئصال الطائفة الشيعية ,شبيهاً بما قامت به سلطة المماليك في...

الجولان المحتلة وحزب الجمهورية

في ذكرى عدوان الخامس من حزيران 1967 قدم حزب الجمهورية في سوريا وهو حزب (قيد التأسيس) رؤيته لقضية الجولان السورية المحتلة، وجعلها في إطار الأسئلة التي تواجه الدولة السورية الجديدة....

ما تريده إسرائيل: جنوب بدون شيعه!

التقيت منذ أيام، في منزل سفير أجنبي صديق، زميلاً صحافياً فرنسياً، نشأت بينه وبيني علاقة ود واحترام زمن كنت فيه المسؤول الإعلامي في رئاسة الحكومة وكان هو مراسل صحيفة...

حماية سيادة الدول العربية في ضوء القانون الدولي:‏ من بيانات الادانة الى آليات العمل الجماعي والتكامل الاقليمي

‏ في ظلّ التعديات الأمنية والعسكرية المتكررة التي تتعرض لها بعض الدول العربية، وما ‏يرافقها من انتهاكات لسيادتها الوطنية ووحدة أراضيها واستقلالها السياسي، تتجدد المواقف العربية...

بين هدنةٍ على الورق وتصعيدٍ في الميدان

في الوقت الذي اعتقد فيه كثيرون أن الاتفاقات الأخيرة ستفتح باب التهدئة بين لبنان وإسرائيل، جاءت التطورات الميدانية لتؤكد أن المنطقة لا تزال بعيدة عن الاستقرار الحقيقي. فالهدنة التي...