في اللحظة التي كانت الأنظار تتجه إلى صلالة العمانية، حيث كان مقرراً أن يجتمع وزراء خارجية الخليج مع نظيرهم الإيراني لمناقشة الملاحة في مضيق هرمز، جاء الإعلان المفاجئ بتأجيل الاجتماع لكن ما جرى خلف الكواليس يكشف أن الأمر لم يكن مجرد تأجيل دبلوماسي، بل ضغوط أمريكية مباشرة على مسقط، وانقسام خليجي حاد، وسباق مع الزمن لإفشال ترتيب أمني إقليمي قد يُخرج واشنطن من معادلة المضيق الأكثر حساسية في العالم.
الهدف المعلن: إطلاع لا تفاوض
وفق تصريحات وزير الخارجية الإيراني عباس عراقتشي، كان الهدف المعلن هو إطلاع الدول المشاركة على تفاصيل التفاهم بين إيران وعمان بشأن مسار بحري جديد في مضيق هرمز، وعرض الخرائط المتعلقة به وبموجب هذا التفاهم، يقع مسار الدخول إلى الخليج «بالكامل داخل المياه الإقليمية الإيرانية»، كما يقع جزء من مسار الخروج داخل المياه الإيرانية، مع إغلاق المسار الجنوبي الذي كانت واشنطن تضغط لإبقائه مفتوحاً.
وطهران أبلغت واشنطن عبر وسطاء بسبعة شروط لإعادة فتح المضيق رفع الحصار البحري، الإفراج عن الأصول المجمدة، رفع العقوبات عن صادرات النفط، وقف العمليات العسكرية الأمريكية، إنهاء الحرب، سحب القوات الأمريكية من محيط إيران، وتعويض الأضرار أي أن الاجتماع لم يكن مفاوضات بالمعنى التقليدي، بل منصة إقليمية لإعلان ترتيب يمنح إيران سيطرة فعلية على المضيق.
الكواليس: ضغط أمريكي وانقسام خليجي
مارست واشنطن ضغوطاً غير مسبوقة على سلطنة عمان لمنعها من المضي في ترتيباتها مع إيران، وهددت بفرض عقوبات بل وقصفها، بعد تقييم استخباراتي بأن مسقط كانت تخطط للانضمام إلى طهران في فرض رسوم على السفن وصرح الرئيس ترامب «إذا عرقلت عمان فتح هرمز، سنقصفها قصفاً مدمراً»، كما قال إنه «لا يهتم» بالاجتماع المقرر وتشير تقارير إلى أن واشنطن بدأت تتجه نحو استبدال عمان بقطر وباكستان كوسيطين رئيسيين.
وفي المقابل، كسرت البحرين الصف الخليجي، معلنة عدم مشاركتها في أي اجتماع جماعي يضم إيران قبل عودة العلاقات الدبلوماسية، وربطت موقفها باستمرار «الاعتداءات» على بنيتها التحتية، داعية إلى فتح المضيق “دون تمييز أو رسوم أو تصاريح”.
كما قلّلت طهران استباقياً من احتمال توقيع اتفاق، ودعت إلى تأجيل الاجتماعات الموسعة مع دول الخليج، معتبرة أن التوقيت يتطلب «أقصى درجات الحذر الدبلوماسي» وعشية الاجتماع، وقع هجوم على سفينة تجارية إيرانية قبالة جزيرة قشم، ما أضاف طبقة تصعيدية جديدة كيف يمكن التفاوض على ترتيبات ملاحية بينما السفن تُقصف في المضيق نفسه؟
لماذا يخدم الجمود واشنطن؟
قد يبدو إغلاق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط العالمية، مضراً بالولايات المتحدة لكن التحليل الاستراتيجي يكشف العكس فخبير الشؤون الاستراتيجية جيمس جيفري يرى أن «المراوحة الاستراتيجية» — إبقاء الوضع دون تصعيد ولا تسوية — “تصب في مصلحة الولايات المتحدة مع مرور الوقت، إذ يرجح أن يضعف موقف طهران بوتيرة أسرع من موقف واشنطن كلما طال أمد الحصار”.
كما تدعم واشنطن مد خطوط أنابيب بديلة من السعودية إلى البحر الأحمر، ومن العراق باتجاه بانياس، ومن الخليج باتجاه تركيا، ما يسرّع تحولاً استراتيجياً يخدم مصالحها على المدى البعيد والأهم أن الجمود يمنع دول الخليج من بناء إطار أمني إقليمي مستقل، ويُبقيها في موقع التابع الذي لا يملك بديلاً أمنياً جاهزاً ويضاف إلى ذلك أن إدارة ترامب، المنشغلة بالانتخابات، تفضل «ترك المنطقة لشأنها» مؤقتاً.
التداعيات
أولاً، تعميق أزمة الثقة الخليجية-الأمريكية فالدول التي كانت تأمل أن يُخرجها الاجتماع من عنق الزجاجة وجدت نفسها أمام واقع مرير أمريكا لا تريد حلاً إقليمياً، وإيران لا تريد فتح المضيق، والبحرين لا تريد التفاوض.
ثانياً، تصاعد المخاطر الأمنية في هرمز مع حديث إيران عن «منطقة محظورة» خارج المضيق وقائمة عقوبات للسفن غير المنسقة، يتحول المضيق من ممر تجاري دولي إلى ساحة حرب مفتوحة، ونظام عبور موازٍ ترفضه واشنطن وحلفاؤها.
ثالثاً، إعادة تشكيل التحالفات الإقليمية فقد وقعت السعودية وتركيا وباكستان اتفاقية دفاع مشترك في أغسطس 2026، وصفها مسؤول أوروبي بأنها «رسالة إلى الولايات المتحدة» كما شهدت قمة البريكس في نيودلهي أول لقاء بين رئيس إيران وولي عهد أبوظبي منذ اندلاع الحرب، في مؤشر على بحث بعض دول الخليج عن قنوات تواصل مباشرة مع طهران بعيداً عن الوساطة الأمريكية.
خاتمة
تأجيل قمة صلالة ليس مسألة جدولة دبلوماسية إنه معركة على السيادة الإقليمية في واحدة من أهم نقاط الاختناق في العالم إيران تريد ترسيخ سيطرتها الفعلية على المضيق، وعمان تحاول لعب دور الوسيط، ودول الخليج منقسمة بين من يريد التفاوض ومن يرفض الاسترضاء، وأمريكا — التي أعلنت صراحة أنها «لا تهتم» — تعمل بهدوء على إفشال أي ترتيب إقليمي قد يُخرجها من المعادلة.
وبين هذه المصالح المتضاربة، يبقى مضيق هرمز رهينة في لعبة القوى الكبرى، وتبقى دول الخليج — التي لا تريد هذه الحرب ولا تتحكم في مسارها — رهائن يدفعون الثمن الأكبر.


