الثلاثاء، 9 يونيو 2026
بيروت
25°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

من رلى حوري إلى ابناء الوطن :

ازمة لبنان لا تحصر بجهة واحدة

ما يجب ان يقال في مواجهة اي طرح انفعالي مشحون بالمواقف المسبقة هو التالي :

*ان اختزال ازمة لبنان الراهنة في طائفة بعينها او في حزب بعينه لا يمكن ان يشكل مدخلا علميا او سياسيا جادا لفهم الواقع المعقد ،ولا يؤسس الا لمزيد من الانقسام والتشنج.. الازمة اللبنانية اعمق من ان تحصر في جهة واحدة ،وهي ناتجة عن تراكمات بنيوية في النظام السياسي الطائفي ،وعن منظومة اقتصادية ريعية شاركت في ترسيخها معظم القوى السياسية على اختلاف طوائفها، ضمن معادلات زبائنية عززت النفوذ الشخصي على حساب المصلحة العامة..
*اتهام “الثنائي الشيعي” او بالأحرى “الطائفة الشيعية” او حزب الله بانه يمثل مصدر الانقسام.. يتجاهل الحقائق التالية :
اولا ان هذه الطائفة دفعت اثمانا باهظة في الحروب الاسرائيلية ،وفي الانهيار الاقتصادي وفي العقوبات .
ثانيا ان الحديث عن سيطرة وتسلط، يتجاهل ان الحكم في لبنان كان ولا يزال نتيجة تسويات ومحاصصات بين مختلف الزعامات ،وان النفوذ لم يكن حكرا على احد ،بل كانت كل طائفة تمسك بمفاصل معينة من الدولة ،وتحتمي بخطوطها الحمراء ،وترعى مصالحها ضمن بيئتها الخاصة .
اما الحديث عن سلاح المقاومة، فيجب ان يعالج بمنهج عقلاني لا انفعالي ،السلاح ليس مقدسا ولا خارج النقاش ،لكنه لا يحل بشيطنة الجهة الحاملة له ،بل بالحوار الجدي حول :
“استراتيجية دفاعية وطنية”!!!
تحفظ الكرامة والسيادة من جهة ،وتحمي الداخل من الانفجار من جهة اخرى ،فالوحدة الوطنية لا تبنى “بالتحريض” ولا باثارة مشاعر الخوف والكراهية ,بل بالتفاهم على مشروع وطني مشترك ،يتجاوز ثنائيات الادانة والتخوين ويعيد الاعتبار لمفهوم الدولة العادلة التي تحمي جميع ابنائها من دون تمييز..
*ان تأريخ الازمة اللبنانية بموضوعية يفرض الاعتراف بان جذور الانقسام والحروب الداخلية والصراعات المسلحة تعود الى ما قبل ظهور حزب الله بسنوات طويلة ،فلبنان عرف في السبعينات تحالفات دامية ومحاور اقليمية متصارعة ،وحروبا اهلية طاحنة بين مكوناته السياسية والطائفية ادت الى مآس وطنية مروعة حتى الاجتياح الاسرائيلي عام 1982 ،الذي شكل نقطة تحول في مسار النزاع حصل في ظل فراغ دفاعي كبير.. ولم يكن حزب الله حينها قد ولد بعد اما المجازر التي ارتكبت في مخيمي صبرا وشاتيلا فقد نفذتها ميليشيا مسيحية بالتنسيق مع الاحتلال الاسرائيلي وسط صمت اقليمي ودولي مخز ،ومن دون وجود طرف لبناني منظم يردع او يحاسب او يدافع عن المدنيين.
هذه الحقائق التاريخية تؤكد ان تحميل طرف واحد وزر كل ما يعانيه لبنان هو تبسيط ” مخادع” للتاريخ و”تزوير” لمسار طويل من التناحر والارتهان والتدخلات الخارجية، التي طالت معظم القوى والتيارات من دون استثناء ..
في المقابل تسطيح الصراع العربي الاسرائيلي وتصويره كانه نتيجة تشتتنا الداخلي فقط يتناسى ان هذا الصراع له جذور تاريخية واستراتيجية عميقة ،وان المشروع الصهيوني مدعوم دوليا منذ تأسيسه ،وان مواجهة تمدده تتطلب وحدة الموقف العربي اولا ،وليس فقط لوم الذات او جلد الداخل فالمعادلة الحقيقية ليست بين الداخل والخارج ،بل بين مشروع مقاوم يراد احتواؤه او تهميشه، ومشروع تفكيكي يراد فرضه على المنطقة باسم الاستقرار والواقعية السياسية ..!!
وفي هذا السياق لا يمكن اغفال حقيقة ان اهل غزة الذين محيت بيوتهم من على وجه الارض ،ويتعرضون للابادة الجماعية والموت بالتعذيب والحرق احياء ،لم يتفوهوا بكلمة واحدة تشير الى القبول بالتطويع او التنازل عن حقوقهم التاريخية. لانهم شعب يحمل وعي الايمان والكرامة ويربط بقاءه بعدالة قضيته، لا بتسويات مؤقتة او مصالح آنية، هم شعب يخاف الله ويضع كرامته وعزته فوق كل اعتبار…!!!
ان خطاب الفقد واليأس و”يا ضيعانك يا لبنان” قد يستخدم كاداة تعبير عن الحزن لكنه لا ينتج حلولا ولا يلهم تغييرا..!!
ما ينقذ لبنان ليس العودة الى ما كان عليه ،بل التقدم نحو ما يجب ان يكون دولة عادلة ، شفافة. حازمة، تستخدم سلطاتها لفرض هيبتها على الداخل وعلى العدو .. يحكمها القانون ويشارك الجميع في انتاج مؤسساتها ،لا عبر الولاءات الطائفية بل عبر الكفاءة والمحاسبة والتمسك بفكرة الوطن لا الجماعة..
ومن دون تجاهل جذور الازمة الحقيقية لا بد من الاشارة بوضوح الى ان الفساد الذي نخر مؤسسات الدولة لم يكن حكرا على طرف واحد، بل هو نتيجة منظومة زبائنية مترابطة بين معظم الاحزاب والقوى الطائفية التي وزعت الحصص والمنافع على قاعدة الولاء السياسي لا الكفاءة. المحاصصة التي هيمنت على الادارات وتوزيع المناصب على اساس مذهبي لا وطني ،هما اصل الانهيار وحجر العثرة امام اي اصلاح حقيقي لا يمكن لاي طرف ان” يدعي الطهارة” بينما شارك في تقاسم الدولة او صمت عن سوء ادارتها او استخدم مؤسساتها، كادوات لتعزيز سلطته على حساب المجتمع ..
باختصار المشكلة ليست في طائفة ولا في جهة، بل في النظام الذي ينتج هذا الكم من الانقسامات ويمنع الدولة من ان تكون دولة فعلا والمطلوب ليس توزيع اللوم بل انتاج رؤية وطنية شاملة ،تستند الى المواطنة لا المذاهب والى العقل لا الغرائز ،والى مسؤولية جماعية لا تبادل للاتهامات .

صوت الذين لا صوت لهم

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

بين هدنةٍ على الورق وتصعيدٍ في الميدان

في الوقت الذي اعتقد فيه كثيرون أن الاتفاقات الأخيرة ستفتح باب التهدئة بين لبنان وإسرائيل، جاءت التطورات الميدانية لتؤكد أن المنطقة لا تزال بعيدة عن الاستقرار الحقيقي. فالهدنة التي...

بين متطلبات الأمن والسيادة: قراءة استراتيجية نقدية في مخرجات مفاوضات واشنطن بشأن لبنان

مقدمة تُعد البيانات السياسية الناتجة عن المفاوضات الدولية مؤشراً مهماً على توازن القوى بين الأطراف المتفاوضة أكثر مما تعكس بالضرورة توازناً في المصالح أو الحقوق. ومن هذا المنطلق،...

من الشقيف إلى الزهراني… هل يتغير وجه الشرق الأوسط أم أننا أمام فصل جديد من الصراع القديم؟

ما يحدث اليوم في جنوب لبنان لم يعد مجرد جولة عسكرية محدودة أو مواجهة تقليدية على الحدود، بل يبدو جزءاً من مشهد إقليمي أوسع تتداخل فيه الحسابات العسكرية مع مشاريع إعادة رسم موازين...

حصار العواصم

أول فبراير الماضي (2026 ) أقتحم تنظيم داعـش نيامي عاصمة النيجر وسيطر لنصف ساعة على مطار العاصمة، بعد أن تمكن من السيطرة على عدد من القرى والمناطق المحيطة بنيامي، قبل أن تتقدم نحو...

وفي قلعة الشقيف قال الجندي الصهيوني لأرييل لشارون : انت كاذب !!

هذه الواقعة وردت في كتاب صهيوني صدر في فلسطين المحتلةٍ، بعد الاجتياح الصهيوني في لبنان الذي بدأ في مطلع شهر يونيو / حزيران 1982.. وانتهى بخروج قوات منظمة التحرير الفلسطينية،...

"آية الله الفقيه السيد حسين إسماعيل الصدر"

في تأريخ الأمم شخصيات لا تعبر الزمن فحسب، بل تترك فيه أثرا يتجاوز حدود اللحظة ،ليغدو مشروعا فكريا وإنسانيا ممتدا عبر الأجيال ومن بين هذه القامات يبرز إسم آية الله الفقيه السيد...