في مشهدٍ غير مسبوق على الساحة اللبنانية – وربما العالمية – احتشد أكثر من 74,000 كشفي وكشفية في المدينة الرياضية في بيروت، تحت راية “كشافة الإمام المهدي (عج)”، إحياءً للذكرى الأربعين لتأسيس الجمعية، والذكرى السنوية الأولى لاستشهاد السيد حسن نصر الله والسيد هاشم صفي الدين، وفق ما جاء في نص المناسبة. الحدث الذي حمل عنوان “أجيال السيد… عهدٌ وعزمٌ وأمل” لم يكن مجرّد استعراض كشفي ضخم، بل حمل أبعادًا سياسية وثقافية وتربوية مركّبة، تتطلب قراءة معمّقة في دلالاته وسياقاته.

الرقم المُعلن للمشاركين – 74,475 – يتجاوز بحد ذاته سقف الفعاليات الكشفية التقليدية، وينقل الحدث إلى مستوى التحشيد المجتمعي المنظم. من الناحية التنظيمية، يعكس هذا الحشد قدرة جمعية “كشافة الإمام المهدي” على التعبئة وامتلاك قاعدة جماهيرية شبابية منتشرة ومنضبطة، وهو ما يُعد امتدادًا لمؤسسات “حزب الله” الاجتماعية والتربوية.

لكن الرسائل تتجاوز التنظيم إلى البعد السياسي الرمزي: فالتجمّع يأتي في لحظة إقليمية معقّدة، تتشابك فيها ملفات الصراع في غزة ولبنان وسوريا واليمن، وسط استهداف مباشر لمحور المقاومة. من هنا، فإن عرض هذا الكم من الأفراد المنضوين تحت لواء جمعية كشفية تحمل فكرًا مقاومًا، هو بمثابة رسالة تحدٍ للخصوم، وتأكيد على تجذّر ثقافة المقاومة في الأجيال الجديدة.

يتجاوز الحدث الإطار الكشفي المحض إلى ما يمكن وصفه بـ”الاندماج التربوي المقاوم”. الكلمة المسجّلة التي وجّهها الشيخ نعيم قاسم أكدت أن الكشافة ليست مجرد نشاط ترفيهي بل مشروع متكامل: تربوي، ثقافي، أخلاقي وسياسي. وهذه المقاربة تفتح باب الجدل حول دور الجمعيات الكشفية في لبنان.

في الأدبيات الكلاسيكية، يُنظر إلى الكشافة كمساحة حيادية تسعى إلى تعزيز القيم الأخلاقية والانضباط والعمل الجماعي. لكن في الحالة المعروضة، تتحول الكشافة إلى أداة تربية سياسية مقاوِمة، من خلال رمزية القادة الشهداء، الهتافات، الأناشيد، الأعلام، والقَسَم الكشفي الجماعي المرتبط بالثوابت.

هل هذا يُعد تسييسًا مفرطًا للطفولة؟ أم هو شكلٌ من التربية الملتزمة بقيم المجتمع الذي تنتمي إليه هذه الفئة؟ الجواب مرهون بالخلفية السياسية والثقافية للقارئ، لكن الأكيد أن المشهد يكرّس نموذجًا تربويًا يندمج فيه الدين، والوطن، والسياسة، والمقاومة في هوية واحدة.

فمن أبرز عناصر الحدث كان المشهد البصري: صورة ضخمة لسيد شهداء الأمة، وأعلام لبنان، فلسطين، إيران، اليمن، وبرايات “العهد والأمل”. هذا التكوين الرمزي يُظهر التقاءً لقضايا المنطقة في سياق واحد، حيث تصبح بيروت – عبر المدينة الرياضية – مساحة لعرض سردية جامعة بين المقاومة اللبنانية، القضية الفلسطينية، المحور الإيراني، والثورة اليمنية.

لكن الأهم هو ما قيل عن أن المشاركين أتوا من “مختلف المناطق اللبنانية”، في إشارة ضمنية إلى محاولة تجذير المشروع خارج بيئته الحاضنة الشيعية التقليدية، وتقديم الكشافة كجسر عابر للطوائف. ورغم محدودية هذا الادعاء في الواقع العملي، إلا أنه يعكس طموحًا واضحًا لبناء خطاب سياسي-تربوي جامع يتجاوز الاصطفافات التقليدية.

لا يمكن إغفال البعد السيادي والسوسيولوجي لهذا النوع من الأحداث: من يحق له تمثيل “الوطن” و”القيم الوطنية”؟ هل الجمعيات المرتبطة بأحزاب دينية مقاومة تُعد امتدادًا للدولة أم نقيضًا لها؟

في غياب مشروع وطني موحّد أو قدرة الدولة اللبنانية على تقديم نموذج تربوي جامع، تملأ جمعيات كـ”كشافة الإمام المهدي” هذا الفراغ من خلال برامجها المنظمة، رغم كل ما يرافقها من جدل سياسي. الولاء هنا لا للدولة ككيان سياسي مركزي، بل لقيم المقاومة والانتماء الديني السياسي.

تجمع “أجيال السيد” لم يكن مجرد استعراض كشفي، بل تظاهرة ثقافية سياسية منظمة، تكشف عن حجم الاستقطاب العميق في لبنان، وتقدّم في الوقت نفسه نموذجًا بديلًا – أو موازٍ – للهوية الوطنية الكلاسيكية. هي تظاهرة تقول بصراحة: “المقاومة ليست بندقية فقط، بل أجيال، وثقافة، وتربية، وذاكرة جمعية لا يمكن تجاوزها”.

وما بين من يعتبر هذا التوجّه تعبئة سياسية مبكرة للأطفال، ومن يراه مشروعًا تربويًا متكاملًا يعزز الانتماء والالتزام، يبقى الواقع أن هذه الأجيال تشكّل اليوم – وستشكّل غدًا – جزءًا فاعلًا من النسيج اللبناني، في ظل التحديات المتصاعدة محليًا وإقليميًا.