في فبراير 1948 وعندما بدأت حرب فلسطين كان أنور السادات ما زال في سجن الأجانب منهمكاً في مشروع جديد من نوع المشروعات المحببة الى قلبه ، كان المشروع إنتاج رواية تمثيلية يكون المسجونون فيها هم الممثلون والمتفرجون ، وكان أنور السادات نشيطاً في الكتابة والإخراج والتمثيل ، كان مسرح الرواية هو قصر الخليفة هارون الرشيد ، وأخذ أنور السادات لنفسه دور الخليفة ” هارون الرشيد ” ، كما أن حسين توفيق أخذ دور سياف الخليفة ” مسرور ” .
كما أن سجيناً آخر من المتهمين أخذ دور رئيس وفد قادم من بلاد الروم الى بلاط هارون الرشيد يحمل رسالة الى الرشيد من امبراطور بيزنطة ، وربما يكون من الطريف نقل وصف أنور السادات نفسه للمشهد الرئيسي في التمثيلية ، ليس فقط لمجرد التسجيل ولكن لأن المشهد له أهمية خاصة إذ أنه يكاد يكون إيماءة مستقبلية لأشياء أخرى سوف تجيء بها الأيام ، كونه سيصبح رئيساً لمصر … ويقول أنور السادات بالنص :
” تبدأ السهرة بأن يشير الخليفة ( أنور السادات نفسه ) الى القهرمانة لتدير العزف والغناء ، فيرتفع صوتها هي وفتيات الكورس في توشيح جميل :
بالذي أسكر من خمر اللما كل مسجون أسيف وحبا
والذي أجرى دموعي عندما أخرج السجن والظلم سوا
ويطرب الخليفة فيستعيد النغم مثنى وثلاث ، ويطرب الحضور فيندفع الجميع في جو كله طرب وحبور .. ثم يهدأ الجو ، ويشير الخليفة الى القهرمانة لتغني أحدث ألحان الموصلي قائلاً في نشوة : ” أطربينا يا قهرمانة وابعثي في الجو أشهى الألحان ولتغن القيان وليحرق البخور في أرجاء المكان .
فتنحني القهرمانة أدباً وخضوعاً ، وفي حنان ورقة يرتفع الغناء فيعم الأرجاء :
جانا الخليفة جانا والسعد أهه ويانا
في مجلسه حيانا وبخمرته سقانا
وتأخذ القهرمانة والقيان في ترديد النغم على مختلف الألحان ، ويأخذ الطرب بمجامع الخليفة فلا يتمالك أن يندفع ويرد على القيان : أنا جيت لكم والله يا ولاد أنا أحبكم أوي يا ولاد
أنا جيت لكم أنا جيت دا الاتهام لخبيط !!
وترتفع في الجو النشوة ويتمايل الخليفة (أنور السادات ) يمنة ويسرة ، ويعم السرور ويعبق البخور ، وهنا يدخل كبير الحجّاب مستأذناً في دخول وفد الفرنجة ليقدم الهدايا الى الخليفة ، فيؤذن له ويدخل رئيس الوفد والمجلس كله وقار وسكون ، والخليفة معمم بعمامة الخلافة الشاهية ويقدم رئيس الوفد للخليفة هداياه النفيسة ، ثم يطلب باسم عاهل الرومان عقد معاهدة تحالف وإخاء ، فيقف السياف ( حسين توفيق ) معارضاً هذه المعاهدة ويزوم الحضور ويزمجرون ويطلبون من الخليفة أن لا يتعاون مع الأجانب الذي لا يحفظون العهود ولا يحترمون الحدود .
ويدير الخليفة المناقشة في هدوء .. ولكن يندفع السياف طالباً السماح له بقطع رقبة رئيس وفد الفرنجة ، ثم يعود الوقار الى المجلس ثانية ً ويهدئ الخليفة من روع القوم ويؤكد أنه لا يتعاون مع الأجانب ( من الغريب أنه بعد ثلاث وثلاثين سنة كان بين الدوافع التي قدمها خالد الإسلامبولي في تبرير إقدامه على اغتيال الرئيس أنور السادات ، هي تعاونه مع الكفار واليهود وعقد الصلح معهم ) لا يتعاون مع الأجانب إلا نداً لند على أساس احترام حدود الخلافة ، ويهدأ السياف وينصرف رئيس وفد الرومان مودعاً بالشتائم والسباب .
ثم يطلب الخليفة من القهرمانة أحدث المواويل التي تبعث النفس على الصبر والسلوان …. ويطرب الخليفة ويستزيد وتنشد القيان وتعيد ، وتندفع الراقصة المغرية ” شهرزاد ” في أحدث الرقصات على نغمات الموّال ، ويصيح الخليفة من فرط النشوة ” هدهدوني هدهدوني … أطربوني أطربوني ” ويردد الحضور كلمات الخليفة ويضج المكان بمختلف الألحان ” …..
ولم يلبث هوام أنور السادات بالإذاعة أن لحق غرامه بالتمثيل ، فإذا به يشارك في إنشاء إذاعة داخل السجن ويحتفظ لنفسه فيها بفقرتين من البرنامج :
الساعة السادسة : حديث الأطفال للمربي الفاضل ” بابا أنور ”
الساعة الحادية عشرة : أغنية حديثة للمجعراني المتسول ، محمد أنور السادات …. كذا
وعندما خرج أنور السادات من السجن بعد انتهاء المحاكمة ببراءته وجد نفسه بلا عمل ، وكان قد فصل من خدمة الجيش بعد اعتقاله الأول بتهمة التجسس لصالح الألمان ، وكانت علاقته بأسرته سيئة فكان والده الذي أدخله الكلية الحربية بتدخل ضابط طبيب في الجيش البريطاني لم يكن بالطبع سعيداً بالعملية التي تورط فيها ابنه .
ولكن القصر الملكي كان يرعى شؤون الذين أثبتوا نفعهم لخدمة أغراضه ، وكان حسن عزت صديق أنور السادات قد حصل على تمويل كاف لكي يبدأ عملاً في مجال المقاولات ، وصدرت له الإشارة من بعيد ( القصر الملكي ) بأن يأخذ أنور السادات شريكاً معه ، وكان حسن عزت لا يزال على اتصاله بالدكتور يوسف رشاد مدير في القصر الملكي وب ” الحرس الحديدي ” المكلف الدفاع كفدائيين عن الملك فاروق … لكن القصر كان حريصاً على أن يبقى بعيداً ، وعلى أن تظل الأمور هادئة في ذلك الوقت على الأقل ، ومع ذلك فإن علاقة أنور السادات بالقصر كانت معروفة للكثيرين .
يتبع في الأسبوع القادم .


