الجميع يعلم ما جرى فيما يتعلق بنشر صورة السيدين نصرالله وصفي الدين على صخرة الروشة، والموقف الذي اتخذه رئيس الوزراء نواف سلام حيال هذه الواقعة. على المستوى الشخصي، لم أتعجب ولم أتفاجأ يوم الخميس من تجاهل حزب الله لتعليمات نواف سلام ومحافظ بيروت، ورفض القوى الأمنية اللبنانية الخضوع لأوامر السلطة التنفيذية بشأن إزالة الصور عن صخرة الروشة.
هذا الحدث يبرز تحليل شخصية نواف سلام كرئيس حكومة: رجل القانون، حامل الشعارات والآراء النظرية في ممارسة السياسة، ولكنه مفتقر إلى معرفة أساسيات وقواعد السياسة اللبنانية على أرض الواقع. ما حصل يعزز لدى المواطنين قناعة عميقة بأن الوصول إلى الدولة الحقيقية مجرد وهم، وأن شعار الدولة يُستعمل كقميص عثمان من قبل كل سياسي لبناني في ممارساته اليومية. هذا الهدف يبقى مستحيلاً في ظل النظام السياسي اللبناني القائم، الذي أنتج هذه الطبقة السياسية الحالية، المسؤولة عن كسر هيبة الدولة وتدمير أنظمتها الدستورية والقانونية.
عند مراجعة ما حصل، نجد أن رئيس الحكومة ومحافظ المدينة أرسلا أوامر للمواطنين اللبنانيين بشكل عام، ولحزب لبناني بشكل خاص، باتباع تعليمات محددة والإبتعاد عن أفعال تراها الحكومة والمحافظ ممنوعة وتهدد السلم الأهلي. بناءً على ذلك، أُرسلت تعليمات رسمية للقوى الأمنية لتولي تطبيق أوامر رئاسة مجلس الوزراء ومحافظ بيروت. وكون تطبيق أوامر الدولة في لبنان يتبع أسلوب شخصية “أبو ملحم”، فقد تم الاجتماع بين قيادات القوى الأمنية ومسؤولي الحزب للتشديد على الالتزام بالقرارات، وتم الاتفاق على ذلك.
و رغم ذلك، ما حصل كان نكسة وفضيحة وكارثة كبرى لمنطق احترام النظام والدولة. فقد ضرب هذا الحزب بعرض الحائط كل التعهدات التي قدمها للدولة وللقوى الأمنية خلال اجتماع مسؤولي هذا الحزب معهم، وكسر كل الاتفاقات بحضور هؤلاء المسؤولين الحزبيين أنفسهم عند صخرة الروشة، وقاموا بفعل ما يشاؤون. مما زاد الطين بلة، قام أعضاء منتسبين لهذا الحزب بنشر فيديوهات تظهر أفرادهم وهم يشتمون رئيس الوزراء بأقبح الألفاظ، ويشكرون قادة القوى الأمنية على مساعدتهم في كسر قوانين أعلى سلطة تنفيذية في البلاد.
في هذه المصيبة الوطنية، من يقع عليه اللوم و ينتقد أكثر؟: هل يلام أكثر رئيس مجلس الوزراء، الذي أظهرت الأحداث أنه إما لم يرقَ ليكون هاويًا في ساحات السياسة اللبنانية حيث يقف على باب الصف الذي تُدرس فيه مادة السياسة اللبنانية وينتظر دوره ليستمع الى “ألف باء” قواعدها السياسية، أو أنه درس السياسة وتعلم القانون من الكتب، فكان له فرصة ممارسة ما تعلمه من القانون فقط على أرض الواقع أما الدروس السياسية فبقيت نظرية بعيدة عن التطبيق؟.
أم يقع اللوم الأكبر على قيادات القوى الأمنية التي تتبع رؤيتها وأجندتها الخاصة بها ولا تحسب حسابًا لأي قرار رسمي صادر عن أعلى سلطة تنفيذية و رسمية في البلاد ألا و هي رئاسة الحكومة اللبنانية المتمثلة شخصيا بدولة الرئيس نواف سلام؟ علما أن قرار الحكومة أتى من الرئيس سلام شخصيا و لم يأتي من وزير الدفاع أو وزير الداخلية كما تجري العادة في مثل هذا الحالات مما يزيد من قانونية و جدية هذا القرار الرسمي.
أنا أرى أن حادثة صخرة الروشة تكرس قناعة وجود هوة عميقة بين رئاسة مجلس الوزراء ورئاسة الجمهورية، إذ أنني أرى أنه من الصعب جدا لدرجة شبه المستحيلة أن تتحدى القوى الأمنية قرار رسمي لرئيس الحكومة و تضربه عرض الحائط لو لم تتلقى و تحظى بدعم و بمظلة حماية و تغطية من رئاسة الجمهورية مع أو بدون تنسيق مع رآسة المجلس النيابي.
ختامًا، أذكر الجميع بأننا نعيش في دولة أمراء الطوائف، حيث كل طائفة تفعل ما تريد وبالطريقة التي تراها مناسبة و لكن ضمن الإلتزام بما يسمى “بقواعد الاشتباك والنزاع”، وهو ما أصفه أيضا بمبدأ “حق الفيتو” بين الطوائف. والطامة الكبرى هي تسخير القوى الأمنية لتأمين و حماية و تكريس هذه القاعدة المتفق عليها بين أمراء الطوائف، ومآزرة أمراء الطوائف في تطبيقا على أرض الواقع.
نحن اللبنانيون، ما هو موقفنا من كل هذا؟ نحن بكل بسلطة نشكل وقود وخدم لأمراء الطوائف، الذين يملكون القرار في كل شيء، حتى في اختيار تلاميذ ضباط القوى الأمنية لضمان أن تكون مهمتها الأساسية هي تكريس هذا النظام العقيم المذل و الكاسر لإرادة الشعب اللبناني. و في آخر المطاف يقوم شخص من هنا و شخص من هناك بالتغني و بالإجلال لهذا النظام المستبد، الفاسد و العقيم ليكون عمل هؤلاء الأشخاص هو في صميم عمل يوصف إما بالجهل أو بثقافة النفاق الذي يجري في مجتمعنا اللبناني مجرى الدم في العروق.
أما فيما يتعلق بعلاقة رئاسة الجمهورية برئاسة الحكومة، فهي مهزلة أخرى تكشف أن المتحكم الحقيقي بقرارات البلاد ليس رئيس الوزراء، بل رئيس الجمهورية و هذا الأمر يفتح مجال لأزمة دستورية دفع اللبنانيون ثمن غالي جدا لحلها عبر حروب دامية و أرواح و دماء زهقت للوصول إلى اتفاق بينهم سمي باتفاق الطائف، والذي كرّس مسؤولية وصلاحية كل مسؤول في الدولة. أن اتفاق الطائف الذي يعد الدستور الرسمي للبلاد ينص على أن المسؤول الأول والأخير عن السلطة التنفيذية هو رئيس الحكومة و من هنا تتبلور الأزمة الدستورية و أزمة العلاقة بين رآسة الجمهورية و رآسة الوزراء و التي كانت على الأرجح وراء عدم إلتزام القوى الأمنية بقرار رآسة الوزراء. أما إذا حللنا هذه المهزلة الدستورية من المنظور الطائفي و صلاحيات ومخصصات كل طائفة في لبنان فإننا نجد أن النكبة الكبرى هي أن الأذية و الإهانة التي لحقت برئيس الحكومة لم يكن سببها حزب الله فقط، بل أيضًا و بشكل أعمق و أهم بكثير كان سببها العصيان الرسمي الذي قامت به القوى الأمنية بحق أقوى سلطة تنفيذية رسمية في البلاد و ذلك على الأغلب بدعم و تغطية من رئاسة الجمهورية. فهل نحن نشهد بوادر “عهد شهابي” جديد؟ مع الفرق الكبير بين العهدين و الظروف التي مرت و تمر بها البلاد خلال هذين العهدين المتشابهين بأمور قليلة و المختلفين بأمور عديدة أخرى. لا شك أن هذه الهوة بين رآسة الجمهورية و رآسة الوزراء يلعب الدور الأكبر في تكريسها هو ضعف أداء رئيس الوزراء بشكل عام و بفريق عمله و مستشاريه بشكل خاص.
أما نحن أهل السنة في لبنان، فأين نحن من كل هذه الأحداث التي يمر بها الوطن بشكل عام و بيروت بشكل خاص؟ يحتار من يستبيحنا و يستبيح حقوقنا و صلاحياتنا الدستورية: جماعة الثنائي؟ أم رئاسة الجمهورية؟ أم من يفترض أن يكون الممثل الرسمي لنا و المدافع الشرعي عن حقوقنا و حقوق وجودنا في الدولة؟ ممنوع علينا أن نستنكِر، وإذا فعلنا، نتهم بإثارة النعرات الطائفية، ونضطر لندافع و نبرأ أنفسنا بينما نرى في أيامنا هذه كائن بشري “جاهلي” – ينتمي الى طائفة كريمة محترمة لا يزيد تعدادها عن أكثر من سبعة بالمئة من مجمل الشعب اللبناني – آخذ بيده طفله “المعجزة الرضيع” يدلي بما يشاء و يتهجم على من يشاء و يهين من يشاء و يحقر من يشاء و يثير النعرات الطائفية يمينا و شمالا و يمنح هو و ابنه منصات إعلامية ليعبروا بحرية عن نعراتهم الطائفية بلا مراقب و لا حسيب من الأجهزة الأمنية اللبنانية.
ختامًا، نحن أهل السنة في لبنان، أين نسير كطائفة؟ وما هي بوصلتنا؟ نحن نواجه انكسارًا بعد انكسار، وخيبة أمل بعد خيبة أمل، بينما صخرة الروشة تظل شاهدة صامتة على الدولة الغائبة، والقوانين المستباحة، والنظام الطائفي الظالم المستبد الذي يحكم لبنان بلا رحمة. مما لا شك فيه أيضا أن صمت صخرة الروشة هو عبارة عن دمعة و حزن دفين و حنين عميق لأيام خلت من الماضي البعيد القريب حيث كان كان فيها حبيبها “البيروتي” يجلس لساعات ساعات يتغنى بها و ينثر الشعر في جمالها و تاريخها المجيد لما شهدته من أحداث من تاريخ امتد عبر العصور …


