لقد جاءت الصهيونية من التعاليم الغربية التي تنبع من مرحلة الاستعمار والكولونيالية وسلوك الدول الاستعمارية مع السكان الأصليين الذين اخضعتهم ، فكان المستعمرون يبيدون السكان الأصليين إذا لم يذعنوا لهم وفي حقيقة الأمر هذه ليست بدعة بل حقيقة تحدث بها منظر الصهاينة اليمينيين فلاديمير جابوتينسكي ، في مقالتيه الجدار الحديدي وأخلاق الجدار الحديدي في عامي 1923 و 1924 حيث تساءل قائلا : ” ما الذي يلزم شعباً راضياً تماماً بعيشه وحيداً أن يستقبل جيراناً جدد بمثل هذا العدد الخطير ، فانتزاع قطعة أرض من شعب إقطاعي بغية منح وطن لشعب متجول هو أمر عادل وإذا رفض الشعب الاقطاعي أن تنتزع أرضه منه فمن الطبيعي أن يرغم على ذلك ” …
كما أن جابوتنسكي كان يعول على سلطات الاستعمار البريطانية .. وقد أسس هو شخصيا في إطار الجيش البريطاني الفيلق اليهودي أثناء الحرب العالمية الأولى ، وكان يدعو الى العمل بأقصى ما يمكن من النشاط تحت غطاء الانتداب البريطاني ويقول جابوتنسكي أيضا : ” نحن نستند الى الانتداب البريطاني ، نحن يمكن أن نشارك في مكيدة سياسية هدفها إبعاد إنكلترا عن قناة السويس والخليج الفارسي ومثل هذه اللعبة المزدوجة لا يجوز خوضها بل لا يفترض مجرد التفكير فيها ” ..
إن الممارسة الصهيونية في حقيقة الأمر كانت وما زالت مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالتوسع الاستعماري للغرب في أراضي العالم القديم ، عالم التوحيد اليهودي والمسيحي والإسلامي وغير ذلك من طوائف الشرق الأوسط ، وقد تم الإعلان على أن هذه الأراضي تعود لألمانيا وفرنسا وبريطانيا في مطلع القرن العشرين وللولايات المتحدة الأميركية بعد الحرب العالمية الثانية ، والآن أكدت لقاءات شرم الشيخ رغبة الولايات المتحدة الأميركية في السيادة الكاملة على هذه المنطقة ، وجابوتنسكي هو عملياً مؤسس حزب الليكود ويمكن القول أنه مؤسس السياسة الإسرائيلية المعاصرة .
وكان عمله بمثابة التمهيد للوضع الحالي لقد عبر عن رغبته بصراحة وكتب يقول أن الصهاينة يجب أن يكونوا أدوات الغرب في منطقة الشرق الأوسط في أراضي العرب الفلسطينيين على حد قوله ، ان مقالاته بالمناسبة تدحض الأفكار المحببة لدى الصهاينة على أنه لم يكون هناك وجود للفلسطينيين قبل وصول اليهود إليها ، والذي تجلى في شعارهم أرض بلا شعب لشعب بلا أرض ، ويقول جابوتنسكي بصريح العبارة إن العرب الفلسطينيين كثيرون جداً وهم أكثر بكثير من اليهود ، وأن مهمة الصهاينة هي طرد الفلسطينيين من هناك والوصول الى وضع تقوم فيه دولة يهودية بأكثرية يهودية وأقلية من العرب الفلسطينيين .
بحيث يندمج الآخرون فيها بناءً على مبدأ القوميين الأوروبيين اليمينيين ، لم ير جابوتنسكي فرقا بين القبائل والشعوب ولأنه رجلاً من مرحلة الحداثة كان يعتقد أن القبائل والشعوب من رواسب الماضي ، ويقول جابوتنسكي في مقالته أخلاق الجبال يقول : ” بسخرية واستعلاء نوعا ما يقال أن عددنا على وجه الأرض خمسة عشر مليونا يعيش نصفهم الآن حياة كلب شريد طريد بالمعنى الحرفي للكلمة ، أما العرب فعددهم في العالم خمسمائة وثلاثون مليونا يشغلون مراكش والجزائر وتونس وطرابلس الغرب ومصر والسودان وسورية والجزيرة العربية وبلاد الرافدين .
مستغلين فضاءً يعادل باستثناء الصحراء نصف أوروبا تقريبا ، وعلينا أن نذكر بأن فلسطين تشكل جزأً واحداً من مئتي جزء من هذه المنطقة ، ولكن مع ذلك عندما يطالب يهود بلا وطن بفلسطين لهم يبدو الأمر لا أخلاقيا لأن سكانها الأصليين يجدونها غير ملائم لهم ” ، فسياسة إسرائيل إذن هي استمرار للخط الذي صاغه جابوتنسكي في مقالتيه الجدار الحديدي وأخلاق الجدار الحديدي ، ومن هنا فإن أعمال الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل هي روح الغرب عموماً فالغرب هو حضارة الإبادة الجماعية وقد وصل الغرب الى مختلف أجزاء الدنيا فارضاً سيادته حيثما حل .
وصل الى أميركا وارتكب الإبادة الجماعية هناك بحق الهنود الحمر ، وحل في أفريقيا وهناك مارس إبادة جماعية ضد السكان المحليين وتاجر بالزنوج كبضاعة وكعبيد ، وفي الهند سحق الإنكليز انتفاضة السيبوي التي كانت بالمناسبة تحت شعارات إسلامية فالسيبويون دافعوا عن الاستقلال بينما كان الحكام الهندوس مع الاستعمار البريطاني ، وفي الهند أيضا استعمل البريطانيون التعسف ، ومن ممارساتهم مثلا ربط الناس الى المدافع والخلاصة أنهم ارتكبوا إبادة جماعية ، وتسببوا في مجاعة خطيرة في الهند وعدد القتلى كان عشرة ملايين .
والفرنسيون أيضا مارسوا أعمال الإبادة الجماعية في شمال أفريقيا وهناك كثير من الصور التي يظهر فيها ضباط فرنسيين يلتقطون صورا لهم على خلفية رؤوس مقطوعة لجزائريين ، وفي الكونغو كان البلجيكيون يقطعون أيادي الأطفال لتأخرهم في جمع المطاط نعم ، وفي أندونيسيا أقدم الهولنديون على ممارسات كهذه ، فالهولنديون إذا ملوا من قراءة السينودس أزاحوا جابنا النواحي الإنسانية من فلسفتها كما هو واضح وراحوا يقطعون الرؤوس وبالفعل ارتكب البلجيكيون العمل نفسه في الكونغو
يتبع في الجزء الثاني


