لم يكن السابع من أكتوبر مجرد تطور أمني عابر في تاريخ “إسرائيل”، بل شكّل لحظة مفصلية كشفت عن عمق التصدعات في البنية السياسية والمجتمعية للدولة العبرية. فمع انحسار الصدمة الأولى، بدأت تتكشف ملامح أزمة مركبة تضرب الداخل الإسرائيلي، حيث تتداخل الانقسامات الأيديولوجية مع الصراعات المؤسسية، ويتعمق الشرخ بين مكونات المجتمع والنخب الحاكمة.
تستند هذه القراءة إلى دراسة تحليلية صادرة عن المركز الفلسطيني للتوثيق والمعلومات (ملف) بعنوان «المشهد الحزبي الصهيوني قبيل الطوفان وبعده»، من إعداد مدير المركز الأستاذ محمد السهلي. وترصد الدراسة التحولات السياسية والفكرية داخل إسرائيل قبل السابع من أكتوبر وبعده، كاشفةً عن مسار متصاعد من التوتر وعدم الاستقرار في بنية النظام السياسي.
تشير الدراسة إلى أن تشكيل حكومة بنيامين نتنياهو السادسة لم يكن مجرد تبدّل حكومي تقليدي، بل مثّل انعطافة أيديولوجية عميقة مع صعود الصهيونية الدينية واليمين المتطرف إلى مركز القرار. وقد سعى هذا التحالف إلى إعادة تشكيل مؤسسات الدولة وفق رؤية قومية دينية متشددة، تجلت بوضوح في مشروع إضعاف السلطة القضائية، الأمر الذي فجّر احتجاجات واسعة وغير مسبوقة داخل المجتمع الإسرائيلي، وكشف عن انقسام حاد حول طبيعة الدولة وهويتها ومستقبلها.
وفي موازاة هذا الانقسام السياسي، برز توتر متصاعد بين القيادة السياسية والمؤسسة العسكرية والأمنية. فقد كشفت الخلافات العلنية بين الحكومة وقيادة الجيش عن تصدع واضح في منظومة اتخاذ القرار، وسط تحذيرات متكررة من تراجع الجاهزية العسكرية وتآكل التماسك داخل المؤسسة الأمنية. وقد أسهم هذا المناخ في خلق حالة من الارتباك الاستراتيجي الذي سبق أحداث السابع من أكتوبر.
على صعيد آخر، كان تفكك “القائمة المشتركة” في السنوات الأخيرة قد أدى إلى تشتت الصوت السياسي لفلسطينيي الداخل، ما أتاح لليمين الإسرائيلي تعزيز هيمنته البرلمانية في ظل تصاعد الخطاب القومي المتطرف. غير أن المرحلة الراهنة تشهد مؤشرات متزايدة على محاولة القوى السياسية العربية داخل مناطق الـ48 استعادة زمام المبادرة، من خلال جهود جادة لرأب الصدع بين مكونات القائمة المشتركة وإعادة توحيد الصف السياسي لفلسطينيي الداخل، بما يعزز قدرتهم على مواجهة سياسات الإقصاء والتهميش داخل النظام السياسي الإسرائيلي.
وفي الوقت ذاته، يتزامن هذا التآكل الداخلي مع تصاعد التوترات الإقليمية، لا سيما في ظل المواجهة المتنامية مع إيران ومحور حلفائها. فقد أخذت العقيدة العسكرية الإسرائيلية تتحول تدريجيًا من نموذج الحروب الخاطفة والحاسمة إلى واقع الاستنزاف طويل الأمد، وهو تحول يفرض ضغوطًا اقتصادية ونفسية متزايدة على المجتمع الإسرائيلي، ويكشف حدود قدرته على تحمّل صراعات ممتدة.
في ضوء هذه التطورات، تبدو إسرائيل اليوم أمام أزمة هوية عميقة تتجاوز الخلافات السياسية التقليدية. فالصراع لم يعد مقتصرًا على تنافس حزبي، بل بات يعكس مواجهة بين رؤيتين متناقضتين لطبيعة الدولة: رؤية ليبرالية علمانية تسعى إلى الحفاظ على الطابع المؤسسي للدولة، وأخرى دينية قومية تدفع نحو إعادة صياغتها وفق مشروع أيديولوجي أكثر تشددًا.
بالنسبة للفلسطينيين، تفتح هذه التحولات نافذة سياسية دقيقة. فالتصدعات الداخلية في إسرائيل وتراجع صورة الردع العسكري يخلقان واقعًا جديدًا في معادلة الصراع. غير أن استثمار هذه اللحظة يتطلب رؤية وطنية فلسطينية موحدة، قادرة على قراءة التحولات الجارية بعمق، وتحويل حالة الارتباك داخل بنية الخصم إلى فرصة لتعزيز الحضور الفلسطيني سياسيًا واستراتيجيًا في المشهد الإقليمي.


