الأحد، 13 سبتمبر 2026
بيروت
32°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

الاستاذ حسن صبرا… حضورٌ لا يغيب في أصعب المنعطفات

في زمنٍ تتكاثرُ فيه العواصف، وتضيعُ فيه البوصلةُ بين ضجيجِ المصالحِ وتقلّباتِ المواقف، ينهضُ رجالٌ قلائل، لا ليواكبوا الموج، بل ليقفوا في وجهه. ومن هؤلاء، يبرزُ اسمُ الصحفيِّ القدير، والصديقِ الكبير، الأستاذ حسن صبرا، بوصفه حالةً استثنائيّةً في المشهدِ الإعلامي، ورمزًا للكلمةِ التي لم تعرف يومًا طريقَ الانحناء.

ليس الحديثُ عن هذا الرجلِ استعراضًا لسيرةٍ مهنيّةٍ فحسب، بل هو وقوفٌ أمام تجربةٍ إنسانيّةٍ ووطنيّةٍ عميقة، خطّت حروفها في لحظاتِ الشدّة، وعلى وقعِ الأزماتِ التي عصفت بلبنان، حيثُ تُختبرُ الرجالُ لا بما يقولون، بل بما يفعلون.

لقد حملَ همَّ العروبةِ والوطن في قلبه، ولم يكتفِ بأن يكون شاهدًا على وجعِ الناس، بل كان شريكًا في حمله. لم يتأخّر يومًا عن واجب، ولم يكتفِ بالكلمة حين تستدعي الحاجةُ الفعل، بل مضى أبعد من ذلك، مسخّرًا ما استطاع من طاقته، وما امتلك من شبكةِ علاقاتٍ واسعة، في خدمة الناس، والوقوف إلى جانبهم في أدقّ ظروفهم وأقسى محنهم.

فلم تكن علاقاته يومًا للوجاهة، ولا حضورهُ الاجتماعيُّ بابًا للمظاهر، بل كانت أدواتٍ حقيقيّةً لفعلِ الخير، وجسورًا تصلُ بين الحاجةِ ومن يستطيع تلبيتها. كان يتحرّكُ بصمتٍ حيثُ تضجّ الحاجة، ويطرقُ الأبوابَ حيثُ تُغلقُ في وجهِ البسطاء، ويجعلُ من مكانته وسيلةً لرفعِ معاناةِ الناس لا للترفّعِ عنهم.

وفي خضمِّ الحربِ السابقة، كما في ظلِّ ما يشهده الوطنُ اليوم، لم يغب هذا الدورُ الإنساني، بل ازداد حضورًا وتأثيرًا. فكما كان قلمُه صوتًا صادقًا في وجهِ التضليل، كان فعلهُ سندًا حقيقيًّا لمن أنهكتهم الحرب، يمدّ يدَ العون حيثُ يستطيع، ويُسخّر ما يملك من إمكاناتٍ وعلاقات لتخفيفِ وطأةِ الألم عن الناس.

أمّا في ميدانِ الكلمة، فقد بقيَ صلبًا لا يتبدّل، واضحًا لا يلتبس، منحازًا للحقيقة دون مواربة. فإن كتبَ، شدَّ أواصرَ المحبّةِ بين اللبنانيين، وسعى إلى رأبِ ما تصدّع من نسيجهم، وإن نشرَ، نشرَ وعيًا يواجهُ العتمة، ويعيدُ للناس ثقتهم بأنّ للكلمةِ دورًا في حماية الوطن لا تمزيقه.

ومن موقعهِ رئيسًا لتحريرِ مجلة “الشراع”، لم تكن المجلةُ مجرّدَ منبرٍ إعلامي، بل كانت امتدادًا لهذا النهج: شراعًا حقيقيًّا في وجهِ عواصفِ الزمان، لا ينحرفُ مع الريح، ولا ينكسرُ أمامها، بل يُقاومُ ويُبقي الاتجاه نحو الحقيقة.

إنّ ما قدّمه الأستاذ حسن صبرا لا يُختصرُ بمقالٍ أو مرحلة، بل هو مسيرةٌ من العطاءِ المتكامل: كلمةٌ صادقة، وموقفٌ ثابت، وفعلٌ إنسانيٌّ حاضر. وهي ثلاثيّةٌ نادرة، حين تجتمعُ في رجلٍ واحد، تصنعُ منه قيمةً وطنيّةً لا تُقاس.

فله منّا كلُّ الشكرِ والامتنان، على ما بذل من جهدٍ، وما قدّم من عطاء، وما سخّر من طاقةٍ وعلاقاتٍ في سبيل خدمة الناس، في كلِّ مفصلٍ ومنعطفٍ خطير مرّ به هذا الوطن، لا سيّما في الحربِ السابقةِ والراهنة.

فأمثاله لا يُشكرون بالكلمات وحدها، بل تُحفظُ أسماؤهم في ذاكرةِ الوطن، لأنّهم أثبتوا أنّ الكلمة، حين تُصان، والفعل، حين يُخلص، يمكن أن يصنعا وطنًا… لا ينحني.

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

الكيانات الوطنيةالمستحدثة ؛ صنيعة مصالح الدول المنتصرة

لبنان الجبل  و الدولة لبنان هذا، ما عُرِفَ ككيان سياسي موحد قبل إعلانه في 1 / 9/ 1920 ، ولا كانت له حدوده الجغرافية المعروفة والمتعارف عليها، كما يُضَلِّل من يحاول أن يخترع...

ملاحظات على بحث "بناء الدولة في سورية

يوم الخميس الثالث من أيلول / سبتمبر شهدت المكتبة الوطنية بدمشق ندوة حوارية بعنوان: “بناء الدولة في سورية، رؤية استراتيجية لإدارة المرحلة الانتقالية وتحقيق الاستقرار (2026 ـ...

علي الطاهر بداية التوغل وليس نهاية حرب

لم يأتِ تفجير “علي الطاهر” يتيماً، بل على وقع زلزال إقليمي يمتد من طهران إلى صنعاء، ومن غزة إلى بيروت ولا يمكن اختزاله بحادثة أمنية او اعتباره “هزيمة...

"زلزال علي الطاهر"... مسرح نتنياهو الانتخابي وغنائم كاذبه ورسالة المحور كله

مقدمة 1100 طن متفجرات. هزة بقوة 4.2 ريختر. تلة محيت من الخريطة. هذا ما فعلته “إسرائيل” ليلة 10 أيلول 2026 في “علي الطاهر”. نتنياهو أ سماه “إنجاز...

غزة والجنوب اللبناني: جغرافيا واحدة للوجع واختلافات في الحكاية

حين ننظر إلى غزة والجنوب اللبناني على الخريطة، قد لا نجد الكثير مما يجمع بينهما. هنا شريط ساحلي ضيق ومحاصر، وهناك منطقة واسعة من القرى والبلدات والحقول تمتد جنوب لبنان. هنا أكثر...

لندن تصف سياسات نتنياهو بـ "التطهير العرقي"... هل بدأ تفكك التحالف الغربي مع إسرائيل؟

عندما تصدر لندن، عاصمة “وعد بلفور”، حكماً سياسياً وقانونياً على حكومة “إسرائيل” بأنها تمارس “التطهير العرقي” في الضفة، وأنها ترتكب “جرائم...