الثلاثاء، 9 يونيو 2026
بيروت
26°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

الاستاذ حسن صبرا… حضورٌ لا يغيب في أصعب المنعطفات

في زمنٍ تتكاثرُ فيه العواصف، وتضيعُ فيه البوصلةُ بين ضجيجِ المصالحِ وتقلّباتِ المواقف، ينهضُ رجالٌ قلائل، لا ليواكبوا الموج، بل ليقفوا في وجهه. ومن هؤلاء، يبرزُ اسمُ الصحفيِّ القدير، والصديقِ الكبير، الأستاذ حسن صبرا، بوصفه حالةً استثنائيّةً في المشهدِ الإعلامي، ورمزًا للكلمةِ التي لم تعرف يومًا طريقَ الانحناء.

ليس الحديثُ عن هذا الرجلِ استعراضًا لسيرةٍ مهنيّةٍ فحسب، بل هو وقوفٌ أمام تجربةٍ إنسانيّةٍ ووطنيّةٍ عميقة، خطّت حروفها في لحظاتِ الشدّة، وعلى وقعِ الأزماتِ التي عصفت بلبنان، حيثُ تُختبرُ الرجالُ لا بما يقولون، بل بما يفعلون.

لقد حملَ همَّ العروبةِ والوطن في قلبه، ولم يكتفِ بأن يكون شاهدًا على وجعِ الناس، بل كان شريكًا في حمله. لم يتأخّر يومًا عن واجب، ولم يكتفِ بالكلمة حين تستدعي الحاجةُ الفعل، بل مضى أبعد من ذلك، مسخّرًا ما استطاع من طاقته، وما امتلك من شبكةِ علاقاتٍ واسعة، في خدمة الناس، والوقوف إلى جانبهم في أدقّ ظروفهم وأقسى محنهم.

فلم تكن علاقاته يومًا للوجاهة، ولا حضورهُ الاجتماعيُّ بابًا للمظاهر، بل كانت أدواتٍ حقيقيّةً لفعلِ الخير، وجسورًا تصلُ بين الحاجةِ ومن يستطيع تلبيتها. كان يتحرّكُ بصمتٍ حيثُ تضجّ الحاجة، ويطرقُ الأبوابَ حيثُ تُغلقُ في وجهِ البسطاء، ويجعلُ من مكانته وسيلةً لرفعِ معاناةِ الناس لا للترفّعِ عنهم.

وفي خضمِّ الحربِ السابقة، كما في ظلِّ ما يشهده الوطنُ اليوم، لم يغب هذا الدورُ الإنساني، بل ازداد حضورًا وتأثيرًا. فكما كان قلمُه صوتًا صادقًا في وجهِ التضليل، كان فعلهُ سندًا حقيقيًّا لمن أنهكتهم الحرب، يمدّ يدَ العون حيثُ يستطيع، ويُسخّر ما يملك من إمكاناتٍ وعلاقات لتخفيفِ وطأةِ الألم عن الناس.

أمّا في ميدانِ الكلمة، فقد بقيَ صلبًا لا يتبدّل، واضحًا لا يلتبس، منحازًا للحقيقة دون مواربة. فإن كتبَ، شدَّ أواصرَ المحبّةِ بين اللبنانيين، وسعى إلى رأبِ ما تصدّع من نسيجهم، وإن نشرَ، نشرَ وعيًا يواجهُ العتمة، ويعيدُ للناس ثقتهم بأنّ للكلمةِ دورًا في حماية الوطن لا تمزيقه.

ومن موقعهِ رئيسًا لتحريرِ مجلة “الشراع”، لم تكن المجلةُ مجرّدَ منبرٍ إعلامي، بل كانت امتدادًا لهذا النهج: شراعًا حقيقيًّا في وجهِ عواصفِ الزمان، لا ينحرفُ مع الريح، ولا ينكسرُ أمامها، بل يُقاومُ ويُبقي الاتجاه نحو الحقيقة.

إنّ ما قدّمه الأستاذ حسن صبرا لا يُختصرُ بمقالٍ أو مرحلة، بل هو مسيرةٌ من العطاءِ المتكامل: كلمةٌ صادقة، وموقفٌ ثابت، وفعلٌ إنسانيٌّ حاضر. وهي ثلاثيّةٌ نادرة، حين تجتمعُ في رجلٍ واحد، تصنعُ منه قيمةً وطنيّةً لا تُقاس.

فله منّا كلُّ الشكرِ والامتنان، على ما بذل من جهدٍ، وما قدّم من عطاء، وما سخّر من طاقةٍ وعلاقاتٍ في سبيل خدمة الناس، في كلِّ مفصلٍ ومنعطفٍ خطير مرّ به هذا الوطن، لا سيّما في الحربِ السابقةِ والراهنة.

فأمثاله لا يُشكرون بالكلمات وحدها، بل تُحفظُ أسماؤهم في ذاكرةِ الوطن، لأنّهم أثبتوا أنّ الكلمة، حين تُصان، والفعل، حين يُخلص، يمكن أن يصنعا وطنًا… لا ينحني.

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

بين هدنةٍ على الورق وتصعيدٍ في الميدان

في الوقت الذي اعتقد فيه كثيرون أن الاتفاقات الأخيرة ستفتح باب التهدئة بين لبنان وإسرائيل، جاءت التطورات الميدانية لتؤكد أن المنطقة لا تزال بعيدة عن الاستقرار الحقيقي. فالهدنة التي...

بين متطلبات الأمن والسيادة: قراءة استراتيجية نقدية في مخرجات مفاوضات واشنطن بشأن لبنان

مقدمة تُعد البيانات السياسية الناتجة عن المفاوضات الدولية مؤشراً مهماً على توازن القوى بين الأطراف المتفاوضة أكثر مما تعكس بالضرورة توازناً في المصالح أو الحقوق. ومن هذا المنطلق،...

من الشقيف إلى الزهراني… هل يتغير وجه الشرق الأوسط أم أننا أمام فصل جديد من الصراع القديم؟

ما يحدث اليوم في جنوب لبنان لم يعد مجرد جولة عسكرية محدودة أو مواجهة تقليدية على الحدود، بل يبدو جزءاً من مشهد إقليمي أوسع تتداخل فيه الحسابات العسكرية مع مشاريع إعادة رسم موازين...

حصار العواصم

أول فبراير الماضي (2026 ) أقتحم تنظيم داعـش نيامي عاصمة النيجر وسيطر لنصف ساعة على مطار العاصمة، بعد أن تمكن من السيطرة على عدد من القرى والمناطق المحيطة بنيامي، قبل أن تتقدم نحو...

وفي قلعة الشقيف قال الجندي الصهيوني لأرييل لشارون : انت كاذب !!

هذه الواقعة وردت في كتاب صهيوني صدر في فلسطين المحتلةٍ، بعد الاجتياح الصهيوني في لبنان الذي بدأ في مطلع شهر يونيو / حزيران 1982.. وانتهى بخروج قوات منظمة التحرير الفلسطينية،...

"آية الله الفقيه السيد حسين إسماعيل الصدر"

في تأريخ الأمم شخصيات لا تعبر الزمن فحسب، بل تترك فيه أثرا يتجاوز حدود اللحظة ،ليغدو مشروعا فكريا وإنسانيا ممتدا عبر الأجيال ومن بين هذه القامات يبرز إسم آية الله الفقيه السيد...