السبت، 7 مارس 2026
بيروت
14°C
غائم جزئي
AdvertisementAdvertisement

التسوّل الإلكتروني… الوجه الخفي لاستغلال المشاعر على منصّات التواصل

لم يعد التسوّل اليوم محصورًا في الطرقات، ولا على أبواب المساجد، ولا عند إشارات المرور.. فقط
فقد تمدّد إلى العالم الرقمي، حتى غدا التسوّل الإلكتروني واحدًا من أكثر أساليب الاستغلال انتشارًا في زمن التواصل المفتوح. كثيرون يجلسون خلف شاشات صغيرة، يفتعلون قصصًا موجعة، وينتحلون صفاتٍ لا صلة لهم بها، ويحوّلون عاطفة الناس ورحمتهم إلى مورد رزق قائم على الخداع.

تبدأ اللعبة عادةً بحساب مجهول، صورة لامرأة تبكي، أو طفل على سرير مستشفى، أو عجوز يدّعي أنّ أبناءه هجروه. تُرفَق صورة مسروقة بحكاية كتبت بعناية لاستدرار الدموع، تليها عبارة قصيرة: “ساعدونا ولو بالقليل”. ومع أنَّ بعض الحالات قد تكون صادقة فعلًا، إلا أنّ الغالب منها قائم على الكذب، خصوصا مع تكرار الأساليب نفسها ،وتناسخ القصص بطريقة مريبة.

وقد تكشّفت في السنوات الأخيرة ،عشرات الوقائع التي برهنت أنّ التسوّل الإلكتروني لا يكتفي بسرقة المال، بل يضرب ثقة المجتمع بأكمله.

في إحدى الصفحات الكبيرة، ظهر منشور لامرأة تزعم أنّ طفلها مصاب بمرض نادر، وأن حياته مهددة ما لم يجمعوا “المبلغ المطلوب خلال ساعات”. انهالت التبرعات من اناس، كلٌّ بما يستطيع، بدافع الخوف على حياة الطفل. غير أنّ أحد المتابعين اكتشف بالصدفة أنّ الصورة المستخدمة تعود لطفل أجنبي نُشرت قصته قبل سنوات في دولة أخرى. وعندما تم التواصل مع صاحبة الحساب، اختفت فجأة، وأُغلق الحساب بالكامل. بعد أن استولت على مال محسنين ،محطمة الثقة والإنسانية التي تعاملوا بناءً عليها.

وغيرها الكثير من القصص الواقعية التي اعتاد اربابها استسهال جني المال من خلال التسوّل الإلكتروني، ووجد في العاطفة السريعة مصدرًا ثابتًا للدخل، بينما كان يقدّم نفسه ضحية ليحصل على ما لا يستحق.

هذه القصص وغيرها تُظهر بوضوح خطورة هذا النوع من التسوّل؛ فهو يسرق المال، ويهدر الثقة، ويضرّ بالمحتاجين الحقيقيين الذين يخجلون من مدّ اليد. ومع تكرار الاحتيال، يصبح الناس قساة بلا قصد، فيصيب الشكّ حتى الملهوف الذي يستحق الدعم فعلًا.

إنّ مواجهة هذه الظاهرة لا تكون بالقسوة، بل بالوعي. فالرحمة قيمة عظيمة، لكنها تحتاج إلى بصيرة. ولا طريق آمن للمساعدة إلا عبر المؤسسات والجمعيات الموثوقة، أو بالتواصل المباشر مع جهات يمكن التحقق منها. أمّا حسابات الظلال التي تتخفّى خلف صور مسروقة، فتركها وعدم دعمها واجبٌ اجتماعي ،قبل أن يكون حرصًا شخصيًا.

وفي عالم فُتحت فيه الأبواب من دون رقابة، يبقى الوعي هو الحارس الأخير لطيبة الناس، والضمانة الحقيقية لوصول الخير إلى من يستحقّه، من دون أن يقع في يد محتال يتقن صناعة الوجع ويعتاش منه .

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

حرب "إسرائيلية"بجيوش أمريكية على إيران

ليس من شبهة شك فى دوافع الحرب الجارية بآلاف الغارات اليومية ضد إيران ولا فى أهدافها ، فعقب بدء الحرب صباح السبت 28 فبراير 2026 ، كان بيان رئيس وزراء العدو “بنيامين...

معركة المضائق والممرات البحرية… معركة السيطرة على شرايين قلب العالم

ما يجري اليوم في الشرق الأوسط لا يبدو مجرد حرب عابرة أو جولة صراع تقليدية، بل يشبه زلزالاً جيوسياسياً قد يعيد رسم الخرائط وحدود النفوذ في المنطقة. فالحشود العسكرية الأميركية...

بيروت قنبلة موقوتة قابلة للانفجار في أي لحظة

لم تكن بيروت مهيأة لما حدث. ففي غضون ساعات قليلة فقط، فرض الاعتداء الصهيوني على لبنان واقعاً إنسانياً جديداً، مع موجات نزوح كبيرة تدفقت نحو العاصمة بحثاً عن الأمان. مدينة تعاني...

حين يعتقد أي فريق أنّ لبنان ملك له، تبدأ الأزمة. وحين يرفض أن يشاركه الآخرون في الوطن، تبدأ نهاية الدولة .

مخطئٌ من يظنّ أنّ لبنان ملكٌ له أو لطائفته، ومخطئٌ أكثر من يعتقد أنّ هذا الوطن يمكن أن يُفصَّل على قياس جماعة واحدة دون سواها. فلبنان، منذ نشأته، لم يكن يوماً مشروع غلبةٍ لطائفة،...

هل يُعَدّ صمود إيران اليوم انتصاراً… أم تأجيلاً لحسمٍ أكبر؟

في الحروب الكبرى، لا تُقاس النتائج دائماً بعدد الضربات أو حجم الخسائر في اللحظات الأولى. فالتاريخ العسكري يُظهر أن المرحلة الأولى من أي مواجهة غالباً ما تكون مرحلة الصدمة، حيث...

موقفٌ مشرّف لأهل السنّة مع إخوانهم الشيعة النازحين

في أوقات الرخاء قد يختلف الناس في السياسة، وتتباين آراؤهم في الشأن العام، وتعلو الأصوات أحيانًا في جدالاتٍ لا تنتهي. لكن حين تهبّ العواصف الكبرى، وحين تضيق الأرض على أهلها بفعل...