الثلاثاء، 9 يونيو 2026
بيروت
25°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

التسوّل الإلكتروني… الوجه الخفي لاستغلال المشاعر على منصّات التواصل

لم يعد التسوّل اليوم محصورًا في الطرقات، ولا على أبواب المساجد، ولا عند إشارات المرور.. فقط
فقد تمدّد إلى العالم الرقمي، حتى غدا التسوّل الإلكتروني واحدًا من أكثر أساليب الاستغلال انتشارًا في زمن التواصل المفتوح. كثيرون يجلسون خلف شاشات صغيرة، يفتعلون قصصًا موجعة، وينتحلون صفاتٍ لا صلة لهم بها، ويحوّلون عاطفة الناس ورحمتهم إلى مورد رزق قائم على الخداع.

تبدأ اللعبة عادةً بحساب مجهول، صورة لامرأة تبكي، أو طفل على سرير مستشفى، أو عجوز يدّعي أنّ أبناءه هجروه. تُرفَق صورة مسروقة بحكاية كتبت بعناية لاستدرار الدموع، تليها عبارة قصيرة: “ساعدونا ولو بالقليل”. ومع أنَّ بعض الحالات قد تكون صادقة فعلًا، إلا أنّ الغالب منها قائم على الكذب، خصوصا مع تكرار الأساليب نفسها ،وتناسخ القصص بطريقة مريبة.

وقد تكشّفت في السنوات الأخيرة ،عشرات الوقائع التي برهنت أنّ التسوّل الإلكتروني لا يكتفي بسرقة المال، بل يضرب ثقة المجتمع بأكمله.

في إحدى الصفحات الكبيرة، ظهر منشور لامرأة تزعم أنّ طفلها مصاب بمرض نادر، وأن حياته مهددة ما لم يجمعوا “المبلغ المطلوب خلال ساعات”. انهالت التبرعات من اناس، كلٌّ بما يستطيع، بدافع الخوف على حياة الطفل. غير أنّ أحد المتابعين اكتشف بالصدفة أنّ الصورة المستخدمة تعود لطفل أجنبي نُشرت قصته قبل سنوات في دولة أخرى. وعندما تم التواصل مع صاحبة الحساب، اختفت فجأة، وأُغلق الحساب بالكامل. بعد أن استولت على مال محسنين ،محطمة الثقة والإنسانية التي تعاملوا بناءً عليها.

وغيرها الكثير من القصص الواقعية التي اعتاد اربابها استسهال جني المال من خلال التسوّل الإلكتروني، ووجد في العاطفة السريعة مصدرًا ثابتًا للدخل، بينما كان يقدّم نفسه ضحية ليحصل على ما لا يستحق.

هذه القصص وغيرها تُظهر بوضوح خطورة هذا النوع من التسوّل؛ فهو يسرق المال، ويهدر الثقة، ويضرّ بالمحتاجين الحقيقيين الذين يخجلون من مدّ اليد. ومع تكرار الاحتيال، يصبح الناس قساة بلا قصد، فيصيب الشكّ حتى الملهوف الذي يستحق الدعم فعلًا.

إنّ مواجهة هذه الظاهرة لا تكون بالقسوة، بل بالوعي. فالرحمة قيمة عظيمة، لكنها تحتاج إلى بصيرة. ولا طريق آمن للمساعدة إلا عبر المؤسسات والجمعيات الموثوقة، أو بالتواصل المباشر مع جهات يمكن التحقق منها. أمّا حسابات الظلال التي تتخفّى خلف صور مسروقة، فتركها وعدم دعمها واجبٌ اجتماعي ،قبل أن يكون حرصًا شخصيًا.

وفي عالم فُتحت فيه الأبواب من دون رقابة، يبقى الوعي هو الحارس الأخير لطيبة الناس، والضمانة الحقيقية لوصول الخير إلى من يستحقّه، من دون أن يقع في يد محتال يتقن صناعة الوجع ويعتاش منه .

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

بين هدنةٍ على الورق وتصعيدٍ في الميدان

في الوقت الذي اعتقد فيه كثيرون أن الاتفاقات الأخيرة ستفتح باب التهدئة بين لبنان وإسرائيل، جاءت التطورات الميدانية لتؤكد أن المنطقة لا تزال بعيدة عن الاستقرار الحقيقي. فالهدنة التي...

بين متطلبات الأمن والسيادة: قراءة استراتيجية نقدية في مخرجات مفاوضات واشنطن بشأن لبنان

مقدمة تُعد البيانات السياسية الناتجة عن المفاوضات الدولية مؤشراً مهماً على توازن القوى بين الأطراف المتفاوضة أكثر مما تعكس بالضرورة توازناً في المصالح أو الحقوق. ومن هذا المنطلق،...

من الشقيف إلى الزهراني… هل يتغير وجه الشرق الأوسط أم أننا أمام فصل جديد من الصراع القديم؟

ما يحدث اليوم في جنوب لبنان لم يعد مجرد جولة عسكرية محدودة أو مواجهة تقليدية على الحدود، بل يبدو جزءاً من مشهد إقليمي أوسع تتداخل فيه الحسابات العسكرية مع مشاريع إعادة رسم موازين...

حصار العواصم

أول فبراير الماضي (2026 ) أقتحم تنظيم داعـش نيامي عاصمة النيجر وسيطر لنصف ساعة على مطار العاصمة، بعد أن تمكن من السيطرة على عدد من القرى والمناطق المحيطة بنيامي، قبل أن تتقدم نحو...

وفي قلعة الشقيف قال الجندي الصهيوني لأرييل لشارون : انت كاذب !!

هذه الواقعة وردت في كتاب صهيوني صدر في فلسطين المحتلةٍ، بعد الاجتياح الصهيوني في لبنان الذي بدأ في مطلع شهر يونيو / حزيران 1982.. وانتهى بخروج قوات منظمة التحرير الفلسطينية،...

"آية الله الفقيه السيد حسين إسماعيل الصدر"

في تأريخ الأمم شخصيات لا تعبر الزمن فحسب، بل تترك فيه أثرا يتجاوز حدود اللحظة ،ليغدو مشروعا فكريا وإنسانيا ممتدا عبر الأجيال ومن بين هذه القامات يبرز إسم آية الله الفقيه السيد...