لم يكن الكوكودي مجرّد مطعم، ولا مدينةَ ملاهٍ عابرة، ولا محطةً صيفيةً للترفيه؛ بل كان زمنًا كاملًا، ومشهدًا مكتملَ الألوان من بيروت التي عرفناها قبل أن تُكسَر صورتها.
في عام 1967، وعلى أرضٍ قريبةٍ من مطار بيروت الدولي، وُلد هذا المكان الذي سيصبح لاحقًا أحد أكثر معالم الذاكرة حضورًا في وجدان أبناء الضاحية الجنوبية وبيروت عمومًا. أسّسه فارس الأشقر، اللبناني العائد من أفريقيا محمَّلًا بالحلم، وبشراكةٍ مع بهشام فارما، الطيّار الهندي القادم من دلهي، الذي اختار لبنان وطنًا ثانيًا واستقرّ فيه.
لم يكن المشروع صغيرًا، ولا عاديًا بمقاييس ذاك الزمن، مطعم راقٍ، باتيسري فاخرة، حدائق واسعة، وأوّل مدينة ملاهٍ متكاملة في لبنان. كان مكانًا يجتمع فيه اللبناني والمغترب، والسائح العربي والأجنبي، والعائلة والطفل، والشاب والعجوز… بلا حواجز، بلا أسئلة، بلا هويّاتٍ مسبقة.
كان الكوكودي يقع في منطقة برج البراجنة – المريجة، على مسافة دقائق من البيوت والأراضي الزراعية، ودقائق أخرى من المطار. وكان هذا القرب من المطار جزءًا من سحره، الطائرات تهبط وتقلع فوق الرؤوس، والأطفال يرفعون أعينهم نحو السماء، كأنّ العالم كلّه يمرّ من هناك.
يستعيد من عاشوا تلك الأيام صورة المكان قبل أن يختفي… المدخل المكسوّ بالموكيت الأحمر، الألعاب الميكانيكية، الدراجات الصغيرة، سباق السيارات، وصالة الألعاب التي كانت تضجّ بالضحك.
الحديقة لم تكن تفصيلًا ثانويًا؛ كانت قلب الكوكودي. غرف جلوس صغيرة، مقعدان وطاولة، تلتفّ حولها الأشجار والياسمين. روائح العطر تمتزج برائحة الطعام، والنسيم القادم من جهة البحر يحمل شيئًا من الملح والطمأنينة. كان الأطفال يلهون، والأهل يراقبونهم من بعيد، بثقةٍ كاملة أنّ هذا المكان آمن، وأنّ الفرح هنا لا يُؤذي.
الكوكودي كان مكانًا عائليًا بامتياز؛ ليس صاخبًا ولا فوضويًا، بل راقيًا، منظّمًا، يحترم الإنسان. ولهذا، بقي في الذاكرة بوصفه مكانًا جامعًا للكبير والصغير، الفقير والميسور، المسلم والمسيحي، الجنوبي والبيروتي والمغترب… الجميع كانوا جزءًا من المشهد نفسه.
من يتحدّثون عن الكوكودي لا يبدأون بالحرب، بل بالتفاصيل. يتذكّرون طعم الفستق، صوت الباعة، المرطّبات الباردة في أيّام الصيف الحارّة، الجلوس تحت شجر الكينا في تشرين، والترغل الذي كان يُصاد قرب المكان. يتذكّرون الطريق الرملي الممتدّ باتجاه الأوزاعي، حين كان الشاطئ ما زال مفتوحًا، نظيفًا، ومفروشًا بالغار. هذه التفاصيل الصغيرة هي التي تصنع الذاكرة الحقيقية؛ لا الصور العامة، ولا العناوين الكبرى.
عام 1975 لم يكن عامًا عاديًا؛ كان حدًّا فاصلًا بين زمنين. فمع اندلاع الحرب الأهلية، انتهى الكوكودي كما انتهت أشياء كثيرة في لبنان. فجأةً، وبلا وداع. دخلت قوات الردع العربية، وتحوّل المكان إلى منطقة عسكرية. أُغلقت الأبواب التي كانت مفتوحة للجميع. الفرح الذي كان متاحًا بلا سؤال، صار ممنوعًا.
يروي أحد أبناء المنطقة كيف حاول، وهو في الخامسة عشرة من عمره، الدخول إلى المكان للمرة الأولى، فخرج منه بصفعةٍ واحدة؛ لكنها كانت كافية لتغيّر نظرته إلى الحياة إلى الأبد. لم تكن الصفعة جسدية فقط، بل صفعة زمن.
بعد ذلك، تغيّر وجه المكان مراتٍ عدّة: مدينة ألعاب للأطفال، ثم محطة بنزين، ثم مركزًا للقوات الأمريكية. وفي إحدى المراحل، لُغّمت أرض الكوكودي قبل انسحاب القوات الأمريكية إلى عرض البحر، قبيل الانفجار الشهير الذي أودى بمئات الجنود. كل هذه التحوّلات لم تمحُ الاسم، ولم تمحُ الذاكرة.
اليوم، المكان مكتظّ بالبيوت الشعبية والكثافة السكانية، ولا شيء يدلّ على أنّه كان يومًا منتزهًا راقيًا، إلا في صدور من عاشوه. ومن أكثر ما يلفت في شهادات الكوكودي، ليس الألعاب ولا الطعام، بل العلاقات الإنسانية.
تروي إحدى السيدات أنّ أمّ محمد العنان كانت جارتهم، وكانت تذهب يوميًا مع أمّها إلى الكنيسة لحضور القدّاس. هذه الجملة وحدها تختصر زمنًا كاملًا… زمنًا لم تكن فيه الطوائف جدرانًا، بل تفاصيل حياة يومية. في الكوكودي، كما في بيروت كلّها آنذاك، لم يكن التعايش شعارًا، بل ممارسةً بسيطة، عفوية، بلا تنظير.
لم يكن الكوكودي حالةً استثنائية؛ كان جزءًا من مشهدٍ أكبر، لبنان السياحة، لبنان الثقافة، لبنان الترجمة، لبنان دور النشر، لبنان الذي عرفه العرب نافذةً على العالم. وحين خسر لبنان هذه الأماكن، لم يخسر حجارةً فقط، بل خسر صورةً عن نفسه. ومع ذلك، بقيت الذاكرة.
فالكوكودي اليوم اسمٌ مطبوع في الوجدان، لا في الجغرافيا. شاهدٌ على زمنٍ كان فيه الفرح ممكنًا، والعائلة جامعة، والمدينة أقلّ قسوة. لم يكن مكانًا فقط؛ بل كان لبنانًا مصغّرًا… قبل الحرب، قبل الانقسام، قبل أن يُسرق الفرح. وما دام هناك من يذكر، فإنّ الكوكودي لم يمت


