السبت، 7 مارس 2026
بيروت
15°C
غائم جزئي
AdvertisementAdvertisement

بين المادية والمازوشية: قراءة نفسية – سياسية - فلسفية في ظاهرة مناهضة المقاومة

رلى حوري ناشطة اجتماعية محللة سياسية

ليست كل معركة تخاض بالسلاح وحده؛ فهناك جبهات أخطر تدور في عقول الناس وداخل نفوسهم. المقاومة حين تواجه العدو لا تقاتله في الميدان فقط، بل تجابه أيضا ظواهر داخلية أكثر تعقيدا، تتعلق بالبنية النفسية والاجتماعية والسياسية للأفراد. فئة ترى في الوطن مجرد “صفقة” قابلة للبيع، وأخرى تألف الذل حتى يصبح جزءا من تكوينها النفسي.

هنا ينشأ السؤال: لماذا يقف بعض الناس ضد المقاومة رغم أنها خط الدفاع الأخير عن كرامتهم ووجودهم؟!!

ظاهرة مناهضة المقاومة ليست مجرد خيار سياسي عابر، بل تعبير عن خلل نفسي – اجتماعي – سياسي يهدد الكيان الوطني من الداخل.

في هذه المقالة ، نحاول مقاربة هذه الظاهرة من زاوية غير تقليدية، عبر قراءة نفسية – سياسية – فلسفية – اجتماعية تكشف أن مناهضة المقاومة ليست مجرد خيار سياسي بريء، بل نتاج مسارين متوازيين: المادية، التي تدفع أصحابها نحو الخيانة والمصالح الضيقة.. ، والمازوشية، التي تجعل أصحابها يعتادون الألم والخضوع فيرفضون التحرر..!

تبرير تقسيم الظاهرة

في هذا التحليل، نختار تقسيم ظاهرة مناهضة المقاومة إلى محورين رئيسيين: المادية، التي تمثل دافع المصالح الضيقة والخيانة، والمازوشية، التي تمثل الميل النفسي للخضوع والتكيف مع الذل. هذا التقسيم لا يغطي كل العوامل المؤثرة، لكنه يوفر إطارا واضحا لفهم العلاقة بين النفس الفردية والسياسة الداخلية، ويبرز كيفية تأثير هذه الظواهر على الكيان الوطني واستمرارية المقاومة.

إنها محاولة لإضاءة الجذور الخفية للانقسام الداخلي، حيث تتقاطع النفس البشرية (Psychological Structure) مع السياسة والتاريخ والهوية (Sociopolitical Dynamics).

أولا: الماديون… حين يصبح الوطن سلعة

الماديون هم الذين يضعون أوطانهم على ميزان الربح والخسارة. قد يبيعون الموقف السياسي مقابل كرسي سلطة، أو يفتحون أبواب التطبيع تحت شعار “المصالح الاقتصادية”.

هؤلاء يمثلون ما يسميه الفكر الماركسي “البرجوازية الكومبرادورية”: طبقة محلية مرتبطة بالاستعمار، تؤدي دور الوسيط بين الاحتلال والشعب (Rodney, 1981; Amin, 1974).

المنطلق عند هؤلاء نفعي بحت: المال مقابل الوطن. الخيانة قد تكون مباشرة عبر شبكات العمالة الأمنية، أو غير مباشرة عبر الحرب النفسية (Psychological Warfare) وترويج خطاب الاستسلام. والنتيجة واحدة: إضعاف الجبهة الداخلية وإعطاء العدو أوراق قوة إضافية.

في التاريخ القريب، لدينا أمثلة واضحة: العملاء في جنوب لبنان زمن الاحتلال، “جيش لحد”، أو شبكات التجسس التي زرعت في مؤسسات حيوية، وسقطت جميعها عند مواجهة صادقة.

وفي فلسطين، استغل الاحتلال هذه الفئة لبث الانقسام وإضعاف المقاومة.

اليوم، نرى ملامح مشابهة في بعض مسارات التطبيع العلني داخل الإقليم العربي، حيث تباع فلسطين وقضايا الأمة تحت شعارات “السلام” و”الاستثمار”، في تكرار للمنطق المادي نفسه.

من الناحية النظرية، تناول الفكر السياسي والاجتماعي الحديث هذه الظاهرة بعمق:

بعضهم يرى أن النخب التابعة تمثل “حصان طروادة” للاستعمار، ترسخ خطابه داخل المجتمع.

آخرون وصفوها بأنها “البرجوازية المستعمرة”، التي تضمن استمرار السيطرة الأجنبية عبر مصالحها المادية.

ثانيا: المازوشيون… حين يتحول الذل إلى هوية

إذا كان الماديون خونة، فإن المازوشيين أسرى نفسيتهم. ونقصد بالمازوشية هنا معناها النفسي العميق، لا بالمعنى الجنسي الضيق الشائع.

المازوشية نزعة أعمق، تعني التلذذ بالألم والانصياع للذل والخضوع. هذه الفئة تنشأ في بيئة الهزائم الطويلة، حيث تتحول الهزيمة إلى “نمط حياة”. بدل أن يسعى الإنسان إلى الحرية، يتكيف مع القمع، ويجد في “سلام الاستسلام” راحة نفسية.

نظريات علم النفس والاجتماع أضاءت هذه الظاهرة:

في علم النفس التحليلي (Psychoanalytic Theory)، هناك ميل لاشعوري لإعادة إنتاج الألم وتكراره (Repetition Compulsion – Freud, 1920).

علم النفس الاجتماعي (Social Psychology) يشير إلى أن الإنسان قد يخشى الحرية لأنها تفرض مسؤولية، فيفضل الخضوع لسلطة تريحه من ثقل القرار (Social Dependence Theory – Fromm, 1941).

علماء الاجتماع أشاروا إلى أن تراكم الهزائم يولد “عنفا رمزيا (Symbolic Violence – Bourdieu, 1977)”, يجعل المستضعف يتماهى مع قهره بدل مقاومته.

من هنا نفهم سبب مهاجمة بعض الناس للمقاومة: فهي تهدد “توازنهم المازوشي”. يخشون الحرية لأنها تكسر هوية الضحية التي التصقت بهم، فيرددون خطاب “كفانا حروبا” أو “فلنرض بالواقع”، وكأنهم يتلذذون بالذل أكثر مما يسعون للخلاص.

ثالثا: التقاء المادية بالمازوشية

قد يجتمع المساران في شخص واحد أو تيار سياسي بعينه. البعض يقبض المال ويبرر خيانته بخطاب “واقعي” يستند إلى تعب الناس وخوفهم من الحرب. هنا تتلاقى الصفقة مع العقدة، فينتج أخطر أشكال الطابور الخامس: عملاء يمارسون دور الضحية لإقناع المجتمع بقبول الاحتلال.

بعض المفكرين يشير إلى أن أخطر ما يواجه المجتمعات المستعمَرة ليس الاحتلال العسكري وحده، بل التطابق النفسي – المصلحي (Psychopolitical Convergence) بين الخونة والضحايا المازوشيين، لأنه يخلق جبهة داخلية مضادة لمشروع التحرر الوطني.

رابعا: النتائج والتداعيات

هذه الظاهرة ليست هامشية، بل تهدد الكيان الوطني من الداخل:

نفسيا : تفكك الهوية الجماعية، وتحويل الشعب إلى كتلة منقسمة بين مستسلم ومقاوم.

سياسيا : إضعاف الموقف التفاوضي، وتعزيز موقع العدو عبر “شرعية داخلية زائفة”.

اجتماعيا : إشاعة ثقافة الانقسام والتطبيع مع الهزيمة.

دراسات علم النفس الاجتماعي أثبتت أن الخضوع للسلطة قد يصل إلى مستويات يفضل فيها الفرد إلحاق الأذى بنفسه أو بجماعته بدل التمرد (Milgram, 1963 – Obedience to Authority). وهذا يجعل الطابور الخامس أشبه بفيروس ينخر في الجسد الوطني أكثر مما تفعل القنابل.

ما نشهده اليوم من حملات إعلامية ممنهجة لتشويه المقاومة والدفع باتجاه التطبيع يدخل في هذا السياق، ويبرهن على خطورة هذه الظاهرة.

إنها “حرب داخلية صامتة”، لكنها أشد خطورة من المعارك الميدانية لأنها تنخر في روح الأمة ومعناها…!!

خامسا: البعد الفلسفي… الكرامة أم العبودية؟

في العمق، الصراع بين المقاومة ومناهضيها ليس صراعا على السلطة فقط، بل على معنى الحياة. المقاومة تمثل “ثقافة الحياة (Culture of Life)”, حيث الحرية والكرامة قيمة عليا، بينما المادية والمازوشية تمثلان “ثقافة الموت (Culture of Death)”, حيث الإنسان يفرط في كرامته طلبا للمال أو انسجاما مع قهر مرضي.

فلاسفة الحداثة والوجودية أكدوا أن الحرية شرط أساسي لوجود الإنسان (Sartre, 1943 – Existential Freedom). التمرد على القهر والذل هو الشرط الذي يعطي الحياة معناها، بينما الخضوع للظلم أو الهروب من الحرية شكل من أشكال الانتحار المعنوي (Moral Suicide – Camus, 1942).

السؤال الجوهري: هل يولد الإنسان ليعيش عبدا ذليلا يتلذذ بخضوعه، أم حرا كريما يدفع حياته ثمنا لسيادته؟

اخيرا،

مناهضة المقاومة ليست خيارا سياسيا بريئا، بل انعكاس لخلل عميق: إما خيانة مادية نفعية (Materialist Betrayal)، أو انحراف نفسي مازوشي (Masochistic Pathology). بين الاثنين، يبقى الرهان على الوعي الشعبي (Collective Consciousness) الذي يميز بين ثقافة الكرامة وثقافة العبودية، ويحمي الداخل ضد الطابور الخامس…!

المقاومة لا تواجه العدو الخارجي فحسب، بل تقف أيضا في وجه “عقد الداخل”: عملاء باعوا أوطانهم، وضحايا أدمنوا على ذلهم. في هذا الصراع يتحدد مصير الشعوب: إما أن تعانق الحرية، أو أن ترتمي في حضن المادية والمازوشية، أي في حضن الموت البطيء.

فإما أن نحيا أحرارا بكرامة، أو نموت عبيدا ببطء.

رلى توفيق الحوري
ناشطة اجتماعية/ محللة سياسية
صوت الذين لا صوت لهم

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

حرب "إسرائيلية"بجيوش أمريكية على إيران

ليس من شبهة شك فى دوافع الحرب الجارية بآلاف الغارات اليومية ضد إيران ولا فى أهدافها ، فعقب بدء الحرب صباح السبت 28 فبراير 2026 ، كان بيان رئيس وزراء العدو “بنيامين...

معركة المضائق والممرات البحرية… معركة السيطرة على شرايين قلب العالم

ما يجري اليوم في الشرق الأوسط لا يبدو مجرد حرب عابرة أو جولة صراع تقليدية، بل يشبه زلزالاً جيوسياسياً قد يعيد رسم الخرائط وحدود النفوذ في المنطقة. فالحشود العسكرية الأميركية...

بيروت قنبلة موقوتة قابلة للانفجار في أي لحظة

لم تكن بيروت مهيأة لما حدث. ففي غضون ساعات قليلة فقط، فرض الاعتداء الصهيوني على لبنان واقعاً إنسانياً جديداً، مع موجات نزوح كبيرة تدفقت نحو العاصمة بحثاً عن الأمان. مدينة تعاني...

حين يعتقد أي فريق أنّ لبنان ملك له، تبدأ الأزمة. وحين يرفض أن يشاركه الآخرون في الوطن، تبدأ نهاية الدولة .

مخطئٌ من يظنّ أنّ لبنان ملكٌ له أو لطائفته، ومخطئٌ أكثر من يعتقد أنّ هذا الوطن يمكن أن يُفصَّل على قياس جماعة واحدة دون سواها. فلبنان، منذ نشأته، لم يكن يوماً مشروع غلبةٍ لطائفة،...

هل يُعَدّ صمود إيران اليوم انتصاراً… أم تأجيلاً لحسمٍ أكبر؟

في الحروب الكبرى، لا تُقاس النتائج دائماً بعدد الضربات أو حجم الخسائر في اللحظات الأولى. فالتاريخ العسكري يُظهر أن المرحلة الأولى من أي مواجهة غالباً ما تكون مرحلة الصدمة، حيث...

موقفٌ مشرّف لأهل السنّة مع إخوانهم الشيعة النازحين

في أوقات الرخاء قد يختلف الناس في السياسة، وتتباين آراؤهم في الشأن العام، وتعلو الأصوات أحيانًا في جدالاتٍ لا تنتهي. لكن حين تهبّ العواصف الكبرى، وحين تضيق الأرض على أهلها بفعل...