السبت، 7 مارس 2026
بيروت
14°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

"حزب الله و 100 ألف مقاتل"

كان عقد التسعينيات محطة مفصلية في مسار
حزب الله بعد أن وُلد من رحم الأجتياح الإسرائيلي العام 1982 وصاغ هويته في عقد الثمانينيات كحركة عقائدية مقاتلة، وجد حزب الله نفسه مع مطلع عقد التسعينيات أمام واقع لبناني وإقليمي جديد فرضته نهاية الحرب الأهلية اللبنانية و إتفاق الطائف، ووجود الجيش السوري لاعبًا أول في لبنان .

من السرية إلى الشرعية السياسية

و في العام 1992، فاجأ حزب الله الداخل اللبناني بمشاركته في الإنتخابات النيابية الأولى بعد الحرب. القرار لم يكن سهلًا، لكنه شكّل نقطة تحول من حركة مقاومة متوجسة من النظام السياسي إلى قوة ممثلة داخل البرلمان. ومنذ ذلك التاريخ، نسج حزب الله معادلة دقيقة: “المقاومة مستمرة، واللعبة السياسية مشروعة”.

و بعد إنتهاء عقد التسعينيات وحزب الله أكثر نضجًا
و قوة برلمانية وازنة، ومقاومة شرسة ضد إسرائيل، وفاعل إقليمي مدعوم من محور أقليمي قوي وفي عقد التسعينيات لم يكن مجرد مرحلة أنتقالية، بل عقد التأسيس الثاني الذي مهد لأنسحاب إسرائيل من لبنان في العام 2000، ولصعود حزب الله لاعبًا مركزيًا في معادلة لبنان والشرق الأوسط.

 

و نبدأ في الحكاية في يوم 13 أيلول العام 1993. تعرضت مسيرة شعبية نظمها و قادها حزب الله لإطلاق النار من قبل الجيش اللبناني وذلك أثناء تحركها رفضا لأتفافية أوسلوا و أنذاك كانت المسيرة تهتف ضد التنازل عن كامل الأراضي الفلسطينية أنذاك بعدها خرج الأمين العام لحزب الله الشهيد السيد حسن نصر الله ليهدئ الأوضاع بعد غضب مناصرية الذين كانت تصاعدهم الحماسة والطوق إلى المواجهة في الفعل بعدها عض حزب الله على جراحه ولم ينجر إلى الأقتتال الداخلي وبعدها مما يقارب عقود وتحديدا في يوم 14 تشرين الأول العام 2021. وبعد تعرض المسيرة الشعبية التي نظمها حزب الله و حركة أمل لإطلاق النار الكثيف وبعدها خرج سماحة الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله في خطاب له ولكن هذه المرة في رسالة قوية جدا و هي رسالة توجه الأتهامات نحو حزب القوات اللبنانية ورئيسها سمير جعجع.

و حيث صرح السيد حسن نصر الله بأن حزب الله يمتلك 100 ألف مقاتل موجه خطابه نحو الخارج و الداخل وعلئ حد سواء و في العام 2024. شنت إسرائيل عدوانها وحرب مفتوحة على لبنان عامة وحزب الله خاصة.

و حين دخلت إسرائيل هذه الحرب كانت قد أنهت عاما كاملا من الدراسات والرصد و الأستطلاع و خلال ما عرف أنذاك في حرب الأسناد غزة حيث وصلت خلاله إلى قناعه بأن حزب الله بات مكشوفا إلى حد كبير فقد أختبرت طرقه و إنماطه القتالية و منظومات إتصاله وقياداته الميدانية عبر مراقبة دقيقة جدا حيث بدأت منذ أن فتح حزب الله جبهة الأسناد غزة في شهر تشرين الأول دعما لقطاع غزة وحركة حماس وحركة الجهاد الإسلامي و بهدف تشتيت الجهد العسكري الإسرائيلي ولكن اللافت هو أن الولايات المتحدة الأميركية لعبة دورا حاسما ومهما في كبح أندفاعة إسرائيل نحو فتح الجبهة الشمالية مع لبنان _ حزب الله حيث بعد يوم 7 أكتوبر العام 2023. كشف وزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق يوآف غالانت أن المجلس الوزاري المصغر ناقشا فعليا خيار الحرب مع لبنان في يوم 11 تشرين الأول أي بعد أربعة أيام فقط من بدأ الأحداث إلا أن الولايات المتحدة الأميركية كانت حاضرة بقوة في الساحة حيث طالبت إسرائيل في التمهل وعدم التسرع في الحرب مع حزب الله _ لبنان _ الجبهة الشمالية في الإطار الإستراتيجي الأميركي الذي يهدف إلى إختبار أولا قدرات حزب الله و التدرج في التعامل مع التهديدات محور المقاومة في الشرق الأوسط حلقة تلو الأخرى بعيدا عن الأنزلاق إلى المواجهة الشاملة الغير المحسوبة العواقب و خلال عام من الأشتباك المحدود على الجبهة الشمالية حيث كانت إسرائيل تختبر وتقيم وتضع قدرات حزب الله تحت المجهر في محاولة لفهم الإستراتيجية الجديدة و أكتشاف مكامن القوة والضعف خصوصا أن أخر مواجهة مباشرة و هي حرب تموز بين
حزب الله و إسرائيل في العام 2006. والتي أنتصر فيها حزب الله إنتصارا هز الوعي الإسرائيلي و بعد أن أفشل كل الأهداف الإستراتيجية الإسرائيلية وفرض المعادلات الردع التي أستمرت 18 عاما. حتى أندلعت الحرب الأخيرة التي أطلق عليها حزب الله معركة أولي البأس.

ولم تمر حرب تموز العام 2006. بدون تبعات وعواقب كبيرة جدا على الداخل الإسرائيلي فقد أعتبرت صدمة وطنية وهزيمة عسكرية وسياسية بعدما فشل الجيش الإسرائيلي في تحقيق أهدافه أمام حزب الله وظهر التخبط في القرار السياسي والعسكري واضحا أمام الرأي العام وتمت محاسبة القيادة الإسرائيلية بصورة مباشرة وكان من أهم من طاله العقاب رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود أولمرت الذي دخل بعدها السجن لأحقا على خلفية قضايا فساد ولكن حزب الله وحرب لبنان الثانية كانت من أهم المحطات التي قودت مستقبله السياسي وكما شكلت لجنة تحقيق رسمية وهي
لجنة فينو غراد في هدف تقييم الأخفاقات وتحديد المسؤوليات حيث عملت اللجنة فينو غراد على مدئ أعوام حتى تخرج في تقريرها النهائي في العام 2011. أي بعد خمسة أعوام من أنتهاء حرب تموز جاءت الخلاصة القاسية جدا إذ أنتقدت بشدة إداء القيادة العسكرية والسياسية معتبرة أن الحرب أديرت بدون رؤية واضحة و أهداف محدودة وهو مما أدى إلى زعزعة ثقة الجمهور في مؤسسات الدولة وفرض التحولات الجذرية . على العقيدة الأمنية والعسكرية والسياسية الإسرائيلية وطريقة تعاملها مع تهديدات حزب الله ومن تحديدا من أهم توصيات لجنة فينو غراد بعد حرب تموز العام 2006. وهي كانت الدعم والدعوة إلى تحول جذري في إستراتيجية الجيش الإسرائيلي من جيش مستنزف إلى جيش مستنزف.

ولم يكن المطلوب فقط تجنب الوقوع في مصيدة حزب الله وبل الدفع فيه وجره إلى توسيع دائرة إنتشاره وعديدة بحيث يجبر على العمل كما لو كان جيشا نظاميا لا مجرد حركة مقاومة تعتمد تكتيكات حرب العصابات و إستند هذا التوجه نحو قناعة بأن لبنان في حدوده الجغرافية الصغيرة الضيقة و إفتقاره إلى العمق الإستراتيجي يضع حزب الله أمام مجموعة تحديات ميدانية صعبة خصوصا مع التطور التكنولوجي الكبير في أدوات الرصد و الإستطلاع الإسرائيلي وهو مما جعل معظم مناطق تواجد المقاومة مكشوفة ولو بدرجة كبيرة وفي الفعل راهن العدو الإسرائيلي على التفوق المخابرات و الأستخبارات و الأجهزة التقنية حيث سمح له في جمع المعلومات الحقيقية المركزة حول بنية المقاومة و مواقع تواجدها و إنتشارها ومنظومات إتصالها و أساليب أدارتها الميدانية و هكذا دخلت إسرائيل حرب العام 2024. وهي تقاتل حزب الله الذي تعرفه جيدا مكشوفا لها في جزء كبيرا من تموضعة و قدراته حيث أعتمدت إسرائيل على إستراتيجيات وضعها قادة أركان سابقون وأهمهم أفيف كوخافي الذي كان من أهم منظري الدمج بين العنصر التكنولوجي والبشري في العمليات العسكرية وخلال المواجهات فعلت إسرائيل أساليب الأستنزاف على أكثر من مستوى فتم قطع خطوط الإمداد و تدمير مخازن الأسلحة و أعلان عن مصادرة أكثر من 3000 صاروخ مضاد للدروع و 5000 عبوة ناسفة فقط في الخطوط الأمامية وكما أستخدمت إسرائيل تكتيك التضليل في الإطار الإستراتيجي لها لممارسة العمليات الأستنزاف فحاولت أيهام وحدات المقاومة من خلال المناورات البرية الحقيقية في التقدم و التراجع السريع و إستخدام الآليات والدبابات و بعدها كان الهدف فعليا و هو أستنزاف ذخيرة المقاومين و إرهاق الجبهة الأمامية و أنهاك المقاومين وجعلهم في حالة أستنفار دائم و علئ الرغم من أن هذه الخطة نجحت جزئيا حيث أن حزب الله لم يكن يخوض الحرب في منطق السيطرة على الأرض أو التشبث في الجغرافية وبل في منطق الردع و الأنهاك وفي الفعل نجحت المقاومة أن تغير المعادلة في عدة جبهات ولأ سيما في معركة الخيام حيث فشلت قوات العدو الإسرائيلي في التمركز داخل البلدة على مدئ 64 يوما من سلسلة المعارك مع أن بلدة الخيام اللبنانية تقع مباشرة على الشريط الحدودي مع إسرائيل وبل أن الجيش الإسرائيلي حاول تطوير الهجوم نحو النسق الثاني ولكن واجه المقاومة بشراسة بعدما أنتهئ الهجوم في الفشل أضطر إلى التراجع.

 

“أين ال 100 ألف مقاتل” _

حيث أن من الوضح أن هذا العدد لم يزج في الكامل في المعركة ولم يكن من الحكمة فعل ذلك حيث أدرك حزب الله سريعا أن الأعداد الكبيرة ليست في الضرورة خصوصا في مواجهة جيش يمتلك تفوقا عسكري جوي وقدرات الإستطلاع الدقيقة ولهذا فضلت المقاومة أعتماد تكتيك الأنتشار المحسوب بحيث توظف قواتها البشرية بذكاء و علئ مراحل لا أن تدفع بها دفعة واحدة إلى الجبهات المفتوحة والمكشوفة وكذلك يضاف إلى ذلك أن جزء كبيرا من هذه القوة التي كانت محضرا من أجل أن يخوض معركة الدخول إلى الجليل _ شمال فلسطين وغير أن تطورات الحرب و دخول الجيش الإسرائيلي فعليا إلى جزء من الأراضي اللبنانية وفرض على قيادة حزب الله و المقاومة أعادة ترتيب الأولويات وتعديل خططها للأستفادة القصوى من تشكيلاتها الميدانية.

و اليوم في ظل ما يواجه حزب الله و المقاومة من المعركة المفتوحة على أكثر جبهة وفي ظل الضغوط الكبيرة السياسية و الأجتماعية الداخلية والخارجية قد يصبح آل 100 ألف مقاتل ضرورة ومهمة في النسبة لحزب الله و المقاومة من أي وقت مضى حيث هناك من يلوح بعدة سيناريوهات غير الجيدة لتردد على المحسوبين على الدوائر المقربة من صناعة القرار في الولايات المتحدة الأميركية.

وفي سيناريو العمليات المحتملة لتنظيم داعش الإرهابي نحو البقاع اللبناني و تصعيد شامل إسرائيلي وتحركات داخلية لخلايا النائمة حيث كل
ذلك سيتم في التزامن بدأت الوقت وحيث أن هذا السيناريو ليس في الضرورة وشيك أو أساسي ولكنه مطروح من ضمن الأطروحات و الحسابات الحرب و يسترعي من حزب الله أقصئ درجات الحذر و الأستعداد و الأستنفار و لأسيما أن المعركة قد تدخل عدة مراحل و أكثر أتساعا وتعقيدا مجددا وفي الحرب الأخيرة قدمت المقاومة وحزب الله نموذجا صلبا قويا في مواجهة الحروب الوعي و تحديدا حروب الوعي و العقل ولن المعركة لم تكن تقتصر على البعد الأمني والأستخباراتي والمخابراتي و السياسي والعسكري.

 

حروب الوعي التي تسعى إسرائيل إلى فرضها وهي محاولة لشطب الذاكرة الجامعة لخسارتها في حرب التحرير العام 2000. وحرب تموز العام 2006.

حيث تريد إسرائيل هندسة الواقع بما يخدم مشروعها في منطقة الشرق الأوسط وفي هذا النموذج لا تكون المقاومة مجرد رد فعل بل فعل واعي بعيد عن التعريف الممكن في مواجهة من يظن أن التفوق العسكري و التقني وحده كافي لفرض الإرادة.

و أن المقاومة بمختلف أشكالها تسعى إلى كسر معادلة الردع التي تراهن عليها إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية وإثبات أنّ القوة العسكرية وحدها لا تكفي لفرض الإرادة أو تحقيق الإستقرار ويشير المحللون إلى أنّ إسرائيل قد تمتلك أدوات التفوق التكنولوجي، لكنها تواجه في المقابل إرادة مقاومة عسكرية وسياسية وشعبية و أجتماعية وعقائدية قادرة على الصمود وتغيير موازين القوى في الميدان.

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

ترامب وخطط حرب اسقاط النظام في ايران

مع إغلاق مضيق هرمز، أصبح الصراع في الشرق الأوسط محورياً ليس فقط على المستوى العسكري والسياسي، بل على صعيد السيطرة على الطاقة العالمية. فالممر البحري الذي يمر عبره جزء كبير من نفط...

ليس حِقداً فقط… بل مشروعٌ يُراد فرضه على حساب شُعوبنا

في كثيرٍ من الأحيان يُقال إنّ ما تقوم به “إسرائيل” في المنطقة نابعٌ من حِقدٍ عميق على الشعوب العربية. غير أنّ قراءةً أكثر هدوءاً وواقعية ،تُظهر أنّ المسألة أبعد من...

حرب "إسرائيلية"بجيوش أمريكية على إيران

ليس من شبهة شك فى دوافع الحرب الجارية بآلاف الغارات اليومية ضد إيران ولا فى أهدافها ، فعقب بدء الحرب صباح السبت 28 فبراير 2026 ، كان بيان رئيس وزراء العدو “بنيامين...

معركة المضائق والممرات البحرية… معركة السيطرة على شرايين قلب العالم

ما يجري اليوم في الشرق الأوسط لا يبدو مجرد حرب عابرة أو جولة صراع تقليدية، بل يشبه زلزالاً جيوسياسياً قد يعيد رسم الخرائط وحدود النفوذ في المنطقة. فالحشود العسكرية الأميركية...

بيروت قنبلة موقوتة قابلة للانفجار في أي لحظة

لم تكن بيروت مهيأة لما حدث. ففي غضون ساعات قليلة فقط، فرض الاعتداء الصهيوني على لبنان واقعاً إنسانياً جديداً، مع موجات نزوح كبيرة تدفقت نحو العاصمة بحثاً عن الأمان. مدينة تعاني...

حين يعتقد أي فريق أنّ لبنان ملك له، تبدأ الأزمة. وحين يرفض أن يشاركه الآخرون في الوطن، تبدأ نهاية الدولة .

مخطئٌ من يظنّ أنّ لبنان ملكٌ له أو لطائفته، ومخطئٌ أكثر من يعتقد أنّ هذا الوطن يمكن أن يُفصَّل على قياس جماعة واحدة دون سواها. فلبنان، منذ نشأته، لم يكن يوماً مشروع غلبةٍ لطائفة،...