السعودية أمام خيار التحول إلى قائد للعالم العربي و الإسلامي… أو الانكفاء إلى الصحراء في ظل تمدد “إسرائيل”الكبرى.
في زمن التحديات الكبرى، لم يعد كافيا أن تكتفي القوى السياسية والعسكرية بالشعارات أو التوصيفات. فالميدان وحده هو الذي يفرض الحقائق ويعيد صياغة التوازنات. من هنا جاء العرض الأخير لحزب الله “بفتح صفحة جديدة” مع المملكة العربية السعودية ، لا بصفته مجرد استعراض عسكري (Military Display) أو “بروباغندا”إعلامية، بل كرسالة عميقة الدلالات: نحن هنا، أقوياء ، منظمون ، نعرف متى نلوح بالقوة ومتى نستخدمها، ونعرف أيضا كيف نترك خصومنا في حيرة وارتباك، ونعرف كيف نكون جزء من المنظومة السياسية الوطنية والاقليمية.
هذا العرض لم يبدل قواعد اللعبة دفعة واحدة، لكنه أرسل إشارة واضحة بأن المقاومة ليست في موقع الدفاع الضيق، بل في موقع الهجوم الاستراتيجي القادر على رسم الاحتمالات المقبلة. فالأسلحة، التنظيم، الرسائل السياسية، كلها اجتمعت لتقول إن المقاومة ليست قوة عابرة، بل مؤسسة راسخة قادرة على الصمود والمناورة والتحدي.
رسالة حزب الله لا تعني التنازل عن سلاحه ،ولا تعني ضعفاً منه، بل تعني تأكيد الاستعداد الدائم للدفاع عن الأمة ،والمساهمة في التوازن الاستراتيجي (Strategic Balance)، مع الحفاظ على القدرة على المناورة السياسية والعسكرية لتحقيق مصالح الأمة العليا.
التحول المفاجئ في المشهد الإقليمي جاء بعد العدوان الإسرائيلية على قطر، التي كانت بمثابة “الإنذار ” الذي التقطت المملكة إشاراته . هذه “الصدمة” دفعت الرياض إلى توقيع اتفاقية استراتيجية (Strategic Agreement) مع باكستان، خطوة أوسع من مجرد تفاهم ثنائي، وأول حجر في سلسلة يمكن أن تتحول إلى تحالف عربي–إسلامي شامل. . ومن اولى من السعودية لقيادته !وفي سياق هذه التحركات، جاء عرض حزب الله “لفتح صفحة جديدة” مع السعودية، ليكون بمثابة الردع الذكي (Smart Deterrence) وإشارة إلى القدرة على المناورة. هذه الحركة تشبه تأثير الدومينو: كل خطوة في المشهد الإقليمي تحدث انعكاسات على الدول العربية والإسلامية، وقد تكون البداية لسقوط مخطط صهيوني عالمي خطير، إذا ما تضافرت القوى ووضعت مصلحة الأمة العليا أمام كل الاعتبارات…!!
في المقابل، تتكشف ملامح تحول سعودي لافت. فالمملكة التي وصفت طويلا بأنها دولة ريعية مترددة في اتخاذ مواقف حاسمة، تبدو اليوم وكأنها بلغت سن الرشد السياسي (Political Maturity). أدركت أن الخطر لم يعد بعيدا، وأن “إسرائيل” الكبرى ليست مجرد مشروع على الورق بل خطة قيد التنفيذ، وأن غياب موقف عربي–إسلامي موحد سيقود حتما إلى فراغ يملؤه العدو…!!
الاتفاقية السعودية – الباكستانية ليست مجرد تفاهم ثنائي، بل رسالة وبداية لمسار جديد. نرى إنها دعوة ضمنية لأن يتوسع هذا التفاهم ليصبح إطارا عربيا–إسلاميا شاملا، يعيد للأمة شيئا من قوتها الضائعة. ولو خطا الملك السعودي خطوة إضافية في هذا الاتجاه، لانتقل من ملك السعودية إلى قائد للعالمين العربي والإسلامي المشرذمين. عندها، يمكن أن يتحول من حاكم وطني “محدود الأفق” إلى “شخصية تاريخية” تسجل في الذاكرة كمن جمع شتات الأمة وأعاد لها دورها واعتبارها على مستوى الدول القادة والشعوب، بدلاً من أن يتركها تواجه مصيرها المحتوم: الرجوع إلى صحراء التشرذم في ظل تمدد “إسرائيل” الكبرى.
بين عرض حزب الله لفتح “صفحة جديدة ” وتحول السعودية، تتشكل ملامح مشهد إقليمي معقد. فإما أن ينجح هذا “الوعي الجديد” في خلق محور عربي–إسلامي قادر على كسر مشروع التفتيت ومواجهة العدو المشترك، أو تستمر حالة الانقسام والتشرذم، فتتقدم “إسرائيل” بخطى واثقة نحو تحقيق مشروعهامن دون رادع…!!
إنها لحظة فارقة: فإما يقظة تاريخية تقلب الموازين وتعيد للأمة قدرتها على الفعل، أو سقوط مريع يكرس الهزيمة ويفتح الطريق أمام انهيار شامل. وبين هذين الخيارين، يبقى السؤال مطروحا على كل دولة وكل قيادة: هل تختار أن تكون جزءا من صناعة المستقبل، أم أن تدفن في رمال النسيان؟
صوت الذين لا صوت لهم


