لم تنتهِ فصول حكايات العيش الجميل، بل لا نزال في البدايات. فكل حجر في لبنان، وكل شجرة، وكل عين ماء، بل كل حبّة تراب، تُرنّم ألحان الوحدة الوطنية، وترى حتى في صمتها أملًا وحلمًا لا يموتان.
فقط في لبنان، يتشارك الصقر والحسون نعمة العيش الواحد، فيعلّمان الطيور المهاجرة معنى الحرية والسلام.
هنا، يعانق اللزاب السنديان تحت ظلال الأرز، الذي ظلّ شاهدًا على التاريخ ولم ينكسر.
هنا لبنان… يبقى رغم كل الجراح، سيّد الأوطان.
في ساحة البرج، ساحة الشهداء وسط بيروت، حيث كان السوق يعجّ بالحياة: أصوات الباعة، رائحة القهوة، والألوان الزاهية للخيوط والأقمشة. هناك التقى أحمد بجبران في «سوق الدبّاس»، حيث كان جبران يشتري بعض مستلزمات الخياطة لمتجره.
قال جبران، وقد عرف أحمد من صوته الجهوري: «يسعد ربّ البيارتة… من وين من بيروت؟»
أجاب أحمد: «من الغبيري… وحضرتك؟»
قال جبران مبتسمًا: «أنا من البترون».
قال أحمد بدهشة: «يا لطيف! البترون بعيدة… كم ساعة أخذ معك الطريق؟»
ضحك جبران وأشار بيده نحو الجميزة: «أنا ساكن هون».
تشاركا الحديث وهما يسيران باتجاه تمثال الشهداء. احتسيا القهوة في الهواء الطلق، وكأن المدينة توقّفت قليلًا لتسمع حديثهما، بين ضحكات قصيرة، وحديث عن الحياة، والناس، وأيام بيروت القديمة.
وفجأة ضرب أحمد كفًّا بكف وقال: «يا الله… نسيت أدفع ثمن الأشياء اللي اشتريتها!»
ضحك جبران وقال: «أخذنا الحديث فنسينا…».
عادا إلى السوق لدفع ثمن الأشياء، وما لبث أن أصرّ جبران على دعوة أحمد إلى داره، كما لو أنّ البيت كان امتدادًا لتلك الصداقة الطاهرة، مكانًا يؤوي الذكريات ويحمّلها دفئًا.
دخل أحمد البيت، فاستقبلته الجدران قبل البشر. كانت الصور معلّقة عليها، يعلوها اسم الله، ويحيط بها: رجل ببدلة عسكرية، وشابان يضحكان قرب البحر، وتمثال الشهداء قبل الإصابة… وعلى المنضدة: إنجيل وقرآن، وشمعة، وسبحة، وعلبة حلوى.
لم يكن ذلك للزينة، بل لحراسة الذاكرة، وللتذكير بأن هكذا هو لبنان.
قال جبران بصوت منخفض: «بيّي… توفّي منذ فترة قصيرة».
تنقّل أحمد بين الصور، كل صورة تروي قصة لم تُكتَب بعد، والراديو القديم يبثّ فيروز بصوت خافت.
وضعت أمّ جبران الطعام، وقالت دون أن تسأل: «تفضّل يا ابني… البيت بيتك».
كانت الجملة وحدها وطنًا صغيرًا، احتوى على كل ما فقدته المدينة، وأعاده دفعة واحدة إلى القلب.
بعد ساعة، انتهت الزيارة التي بدت كأنها دهر، مع أنها انقضت بسرعة، لدرجة أن أحمد لم يشعر بمرور الوقت… لكن أثرها دام عقودًا.
غادر أحمد البيت، لكن الذكريات بقيت، كرفاق يسيرون معه في الطرقات الضيقة، في الحارات القديمة، وفي أزقة المدينة التي تتغيّر بلا توقف.
ومرّت سنة، ثم سنوات من الزيارات المتبادلة… إلى أن وصلت، عام 1984، رسالة إلى أحمد، تحمل في طياتها كلمات قصيرة لكنها ثقيلة ومفجعة: «من آمن بي وإن مات فسيحيا… ننعى لكم جبران، الشاب الآدمي والخلوق… والإنسان».
كلمات، رغم قساوتها، لم تُقنع أحمد؛ فلم يستطع عقله تقبّلها، ولم تُصدّقها روحه. نعم، لقد شعر وكأنّه خسر شيئًا… بل كلّ شيء. ومع ذلك، وحتى هذا اليوم، وبعد مرور أكثر من خمسين سنة على هذه الصداقة، ما زال يزور ساحة البرج أسبوعيًا.
يجلس قرب تمثال الشهداء، يستعيد ذكرياته مع جبران، كما لو أنّ صديقه لا يزال بجانبه. يضع فنجانين من القهوة، واحدًا له، وواحدًا لجبران. يمرّ الناس، تتغيّر الوجوه، تتبدّل الأزمنة، لكن الذكريات تبقى… رفاق لا يشيخون.
يهمس أحمد بصوت بالكاد يُسمع: «بعدك هون… بعرف». ثم ينهض ببطء، يلتفت مرّة أخرى، ويبتسم… فبعض الصداقات لا تنتهي بالموت، ولا بالزمن…
بل تبقى، تجلس كل أسبوع في ساحة وطن، مع الذكريات، مع الحنين، ومع لبنان الذي لم يمت.


