كانوا يقولون: “ربّ كلمة أشعلت حرباً”، واليوم، بتنا نعيش زمن “ربّ فيديو مفبرك دمّر حياة”، أو “ربّ تسجيل مزيف أطاح بسمعة ومسؤول”. الذكاء الاصطناعي، هذه الثورة الرقمية التي وُلدت لتُسهّل حياتنا، باتت اليوم، في كثير من جوانبها، سيفاً ذا حدين، وأحياناً كثيرة، خنجراً في الظهر.
في كل يوم، نشاهد مقاطع مصوّرة تُنسب إلى شخصيات عامة، سياسيين، فنانين، وحتى مواطنين عاديين. كلام يُقال بأصواتهم، وصور تُحرّك شفاههم بانسيابية مخيفة، لكنها ليست حقيقية. خدعة متقنة نسجها الذكاء الاصطناعي. نعيد النشر، نعلّق، نغضب، نضحك، نُشهّر… ولا نسأل أنفسنا: هل ما نشاهده حقيقي؟ أم أنه محض تزوير رقمي بإخراج فائق الحرفية؟
في لبنان، حيث الكلمة أحياناً أقوى من الرصاصة، وحيث الشائعة تنتشر كالنار في هشيم الأزمات، يصبح اللعب بهذه الأدوات خطراً وجودياً. ليس فقط على الأفراد بل على السلم الأهلي، وعلى الثقة العامة، وعلى ما تبقى من نسيج اجتماعي مهترئ أصلاً.
ولم يقتصر هذا العبث على السياسة أو الخصوصيات فقط، بل امتدّ ليشمل حتى مشاهد الرحمة. نرى مقاطع لأشخاص “ينقذون” أسوداً أو دببة أو ذئاباً من فخاخ أو قيود، فتغمرنا المشاعر ونشارك الفيديو بحماس… قبل أن نكتشف أن المشهد برمّته مفبرك. الحيوان يكون قد وُضع في المأزق عمداً، فقط ليُصوَّر “المنقذ” كبطل. أي ظلمٍ أكبر من أن يُستغل الحيوان ليكون أداة لاستدرار التعاطف والكذب البصري؟ وأي استخفاف بعقولنا هذا الذي يجعل الخداع يبدو بطولة؟
إنه زمن صناعة الوهم، حتى الرحمة تُمارَس كعرضٍ تمثيلي، لا كقيمة حقيقية.
ولعلّ من الأمثلة الطريفة – والمثيرة للحيرة في آن – ما انتشر مؤخراً عن ملكة هولندا وهي تقلّد الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب بطريقة كلامه، أثناء وقوفها إلى جانبه في لقاء رسمي. الفيديو بدا حقيقياً إلى حد يصعب معه الشك، لكن سرعان ما انقسمت الآراء: هل هو مقطع فعلي؟ أم مشهد ملفق باستخدام الذكاء الاصطناعي؟
وهنا تكمن المعضلة الأخطر: لم نعد نعرف ما إذا كان ما نراه هو سلوك حقيقي لمسؤول رفيع، أم مجرّد خدعة رقمية مركّبة بإتقان؟
. بل الأدهى أن التوضيحات الرسمية – إن وُجدت – لم تعد كافية لمحو الأثر الأول للفيديو في وعي الناس. لأن الانطباع الأوّل هو من يربح غالباً في هذه المعركة غير المتكافئة بين الحقيقة والتزييف.
لقد دخل الذكاء الاصطناعي إلى السياسة، فأصبح أداةً للابتزاز والتضليل والتصفية المعنوية. ولا يوفّر بيتًا، ولا عرضًا، ولا سُمعةً، إذا وقع في أيدٍ خبيثة. كم من تسجيل نُشر على أنه “تسريب” أطاح بعلاقات، أو فجّر خلافات، أو شوّه سمعة أصحابه ليتبيّن لاحقاً أنه ملفق بدقة رقمية.
نعم، الذكاء الاصطناعي مفيد جداً. في الطب، والتعليم، والبيئة، والبحث العلمي. لكن حين يفلت من الرقابة، ويتحول إلى أداة بيد من يريد العبث بالعقول، يصبح نعمة تحوّلت إلى نقمة.
هل نمنعه؟ بالطبع لا. لكن علينا أن نضع ضوابط قانونية وأخلاقية وتقنية، تواكب سرعة التطور، وتحمي الحقيقة من التزوير. يجب أن يكون هناك وعي، ومسؤولية مجتمعية، وتشريعات صارمة تجرّم تلفيق المحتوى والترويج له.
إنها دعوة للتأمل، والحذر. دعوة لنتوقف قليلاً قبل أن نصدّق، وقبل أن نشارك، وقبل أن نحكم على الآخرين. فزمن “أنا شفت الفيديو” لم يعد دليلاً قاطعاً… بل ربما مجرد وهم مصنوع بإتقان


