الثلاثاء، 9 يونيو 2026
بيروت
29°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

ختام كل عام يسرق المنجّمون عقول الناس الفارغة

على أبواب ليلة رأس السنة الميلادية، تتزاحم الشاشات وتضجّ منصّات التواصل الاجتماعي بوجوه باتت مألوفة أكثر من اللازم، ما يُسمّى بـ«المطّلعين» أو «المنجّمين». سباق محموم بين القنوات الفضائية على استضافتهم، وبين الصفحات على ترويج مقاطعهم، وكأنّ العام الجديد لا يطرق الأبواب إلا بإذنهم، ولا يُفتَح إلا بمفاتيح تنبّؤاتهم.
تحوّل هؤلاء من هامش اجتماعي كان يُنظر إليه بعين الريبة أو السخرية، إلى مركز اهتمام إعلامي، تُبنى عليه نسب مشاهدة عالية، وتُستثمر فيه مخاوف الناس وآمالهم.
الأخطر من ذلك، أنّ شريحة واسعة من الجمهور باتت تتعامل مع ما يقولونه بوصفه «حقيقة لا تقبل النقاش»، أو «علماً خفياً» لا يخطئ، حتى كاد الغيب يُختزل في نشرات رأس السنة.
في المجتمعات المأزومة، حيث تتراكم الأزمات الاقتصادية والسياسية والأمنية، يصبح الإنسان أكثر هشاشة، وأكثر بحثًا عن أيّ نافذة تطمئنه أو تفسّر له ما يجري. هنا، يجد المنجّمون بيئة خصبة، كلام عام، عبارات مطّاطة، سيناريوهات مفتوحة تحتمل كلّ الاحتمالات. فإذا وقع حدث ما، قيل «لقد توقّعناه»، وإذا لم يقع، طُمست النبوءة أو أُعيد تأويلها. لعبة قديمة، لكنّها اليوم تُقدَّم بإخراج عصري، ولغة واثقة، وأضواء كاميرات تمنح الوهم شرعية.

يتحمّل الإعلام قسطًا كبيرًا من المسؤولية. فبدل أن يكون منبرًا للتوعية والنقد، ينجرف بعضه خلف منطق الربح السريع، فيمنح المنجّمين ساعات بثّ طويلة، ويقدّمهم بصفات «خبراء» أو «محلّلين»، من دون أي مساءلة علمية أو أخلاقية. وهكذا، يُسوَّق الوهم على أنّه معرفة، ويُخلَط التنجيم بالتحليل، والخرافة بالخبر.
أما على مستوى الوعي الديني والثقافي، فالمسألة أكثر خطورة. فالتعلّق بالتنجيم ليس مجرّد تسلية موسمية، بل انزلاق فكري يمسّ جوهر الإيمان والعقل معًا.
في الثقافة الإسلامية، الغيب لله وحده، لا يشاركه فيه نبيّ مرسل ولا ملك مقرّب، فكيف بإنسان يدّعي قراءة النجوم أو الأرقام؟ وفي البعد الإنساني العام، فإنّ الارتهان لهذه التنبؤات يعطّل العقل، ويُضعف روح المبادرة، ويحوّل الإنسان إلى كائن ينتظر ما «كُتب له» على لسان منجّم، بدل أن يصنع واقعه بوعيه وجهده.
الأكثر إيلامًا أنّ كثيرين لا يكتفون بالاستماع، بل يبنون قراراتهم المصيرية على هذه التوقّعات (زواج، سفر، استثمار) أو حتى خوف دائم من كارثة «مُتوقَّعة». هنا، يتحوّل التنجيم من مادة إعلامية إلى أداة تحكّم نفسي، تُقيّد الإنسان بالخوف أو الوهم، وتسرق منه حقّه في الاختيار الحرّ.
ولعلّ أخطر ما في الأمر، أنّ هذه الظاهرة لم تعد مجرّد رأي فردي، بل تحوّلت إلى قصص حقيقية تتكرّر بأشكال مختلفة. سليم شابّ كان يستعد للهجرة بعد أن أتمّ كل معاملاته وباع جزءًا من ممتلكاته، تراجع في اللحظة الأخيرة بعدما سمع أحد المنجّمين يحذّره من «خطر كبير في السفر خلال الأشهر الأولى من العام». ألغى رحلته، وضاعت فرصة عمل حقيقية، فيما لم يتحقّق شيء ممّا قيل، سوى الخسارة.
أمّا سعاد فقد عاشت عامًا كاملًا أسيرة توقّعات رأس السنة، تربط كلّ حدث أمني أو اقتصادي بما سمعته على شاشة التلفاز. لم تقع الكارثة التي انتظرتها، لكن القلق الدائم أنهكها نفسيًا، وحوّل حياتها إلى ترقّب متواصل، وكأنّها تعيش في ظلّ أحداث لم تقع أصلًا.
فيما تراجع وليد عن شراكة واعدة لأنّ «النجوم لا تنصح بالمخاطرة هذا العام»، كما قيل له. مضى شريكه في المشروع ونجح، وبقي هو مكانه، لا لأنّ الدراسة الاقتصادية كانت خاطئة، بل لأنّ قرارًا مصيريًا اتُّخذ بناءً على جملة عابرة في برنامج موسمي.
هذه القصص ليست استثناءً، بل نماذج عن أثر التنجيم حين يتحوّل من كلام عابر إلى مرجعية نفسية وفكرية. من هنا، فإنّ مواجهة هذه الظاهرة لا تكون بالإنكار السطحي أو السخرية وحدها، بل ببناء وعي نقدي حقيقي، وعي يميّز بين التحليل القائم على معطيات، وبين التنبؤ القائم على التخمين؛ بين الإيمان بالغيب، وبين استغلال الغيب؛ وبين الإعلام المسؤول، والإعلام المتواطئ مع الخرافة.
مع حلول عام جديد، لعلّ السؤال الأجدر أن نطرحه ليس: «ماذا قال المنجّمون؟»، بل: ماذا نريد نحن؟ وأيّ مستقبل نصنعه بعقولنا وأيدينا؟ فالأعوام لا تُبنى على الأبراج، بل على الوعي، ولا يُغيّر مسارها من يقرأ النجوم، بل من يقرأ الواقع ويعمل على تغييره.

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

حماية سيادة الدول العربية في ضوء القانون الدولي:‏ من بيانات الادانة الى آليات العمل الجماعي والتكامل الاقليمي

‏ في ظلّ التعديات الأمنية والعسكرية المتكررة التي تتعرض لها بعض الدول العربية، وما ‏يرافقها من انتهاكات لسيادتها الوطنية ووحدة أراضيها واستقلالها السياسي، تتجدد المواقف العربية...

بين هدنةٍ على الورق وتصعيدٍ في الميدان

في الوقت الذي اعتقد فيه كثيرون أن الاتفاقات الأخيرة ستفتح باب التهدئة بين لبنان وإسرائيل، جاءت التطورات الميدانية لتؤكد أن المنطقة لا تزال بعيدة عن الاستقرار الحقيقي. فالهدنة التي...

بين متطلبات الأمن والسيادة: قراءة استراتيجية نقدية في مخرجات مفاوضات واشنطن بشأن لبنان

مقدمة تُعد البيانات السياسية الناتجة عن المفاوضات الدولية مؤشراً مهماً على توازن القوى بين الأطراف المتفاوضة أكثر مما تعكس بالضرورة توازناً في المصالح أو الحقوق. ومن هذا المنطلق،...

من الشقيف إلى الزهراني… هل يتغير وجه الشرق الأوسط أم أننا أمام فصل جديد من الصراع القديم؟

ما يحدث اليوم في جنوب لبنان لم يعد مجرد جولة عسكرية محدودة أو مواجهة تقليدية على الحدود، بل يبدو جزءاً من مشهد إقليمي أوسع تتداخل فيه الحسابات العسكرية مع مشاريع إعادة رسم موازين...

حصار العواصم

أول فبراير الماضي (2026 ) أقتحم تنظيم داعـش نيامي عاصمة النيجر وسيطر لنصف ساعة على مطار العاصمة، بعد أن تمكن من السيطرة على عدد من القرى والمناطق المحيطة بنيامي، قبل أن تتقدم نحو...

وفي قلعة الشقيف قال الجندي الصهيوني لأرييل لشارون : انت كاذب !!

هذه الواقعة وردت في كتاب صهيوني صدر في فلسطين المحتلةٍ، بعد الاجتياح الصهيوني في لبنان الذي بدأ في مطلع شهر يونيو / حزيران 1982.. وانتهى بخروج قوات منظمة التحرير الفلسطينية،...